وأما المحمودات التي يؤخذ فيها شئ موجودا لشئ أو غير موجود له على الاطلاق من غير شرط ، وتؤخذ مهملة وكلّيّة ، منها ما اشخاص موضوعاتها محسوسة وطبيعيّة ، ومنها ما اشخاص موضوعاتها اراديّة .
فالتي أشخاص موضوعاتها محسوسة فما يصحّحه الحسّ يصدق . ومتى لم يشدّ القضيّة المشهورة شئ غير شهرتها فقط ، فهي مظنونة ، والقياسات الكائنة عنها تنتج نتائج مظنونة . فان اتفق أن كانت يقينية ولم يشعر بها ؛ فيقينها بالعرض . ولهذا شرط ابن نيقوماخوس في البرهان أن يكون اليقين يقينا ، لا بالعرض .
والدليل والعلامة : فيشتركان في أن كلّ واحد منهما بوجوده يلزم وجود شئ آخر . فمتى كان الأمر [ ب 268 پ ] الذي بوجوده يوجد محمول في موضوع أعمّ أو أخصّ من المحمول والموضوع جميعا ، خصّ باسم العلامة . ومتى كان ذلك الأمر أعمّ من الموضوع ، وأخصّ من المحمول ، أو مساويا له ؛ سمّى دليلا . والدليل يأتلف في الشكل الأول فقط .
والعلامة صنفان : أحدهما هو الذي يكون فيه الحدّ المشترك ، أعمّ من المحمول والموضوع جميعا .
والثاني : أن يكون الحدّ المشترك أخصّ من المحمول والموضوع جميعا .
فالذي يؤخذ حدّه المشترك أعمّ من الطرفين يأتلف في الشكل الثاني ، ولا يمكن أن يرجع إلى الشكل الأول ، لأنه لو كان يرجع بالانعكاس ، لكان ما ينعكس منها يتساوى محموله وموضوعه ، ولم يكن أعمّ من كل واحد من الطرفين . وانما كان ينعكس لو كان بإحدى حالين : اما أن تكون احدى المقدّمتين أو كلتاهما موجبة كلّيّة يساوى موضوعها محمولها ، واما أن تكون سالبة كلية . فإذ كنا قد وضعنا الحدّ الأوسط أعمّ من الطرفين ، فليس ولا واحدة منهما : لا سالبة كليّة ، ولا موجبة ، يساوى محمولها موضوعها .
وأما الصنف الثّاني من العلامة : وهو الذي يكون حده المشترك أخصّ [ ح 121 ر ] من الطرفين ، فإنه يأتلف في الشكل الثالث لا محالة . فالأعمّ والأخصّ
المنطقيات للفارابي — صفحة 487
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٨٧