وقد تقدّمنا ، فبيّنا ما معنى الرأي السابق .
وهذه المقدمات تحتوى على ما هي في الحقيقة مشهورة ، وعلى ما هي في الظاهر فقط مشهورة ، من غير أن تكون كذلك أيضا في الحقيقة . وتحتوى المشهورات على ما هي صادقة ، وعلى ما هي غير صادقة .
ولكن إذا استعملتها الخطابة ، فليس تستعملها لأجل أنها صادقة . ولو كان كذلك ، إذا صادفت مقدمات صادقة غير مشهورة ، استعملتها ؛ وليست تفعل ذلك ، بل تطرح المقدمات اليقينيّة إذا كانت غير مشهورة .
وأيضا فإذا استعملت الخطابة المشهورات التي هي بالحقيقة مشهورات ، فليس تستعملها لأجل أنها في الحقيقة مشهورات على مثال ما تستعمله صناعة الجدل ، لكن لأجل أنّها في بادي الرأي مشهورة للجميع ، واتفق فيها أن تكون مشهورات في الحقيقة .
وكذلك إذا استعملت ما هي في الظاهر فقط مشهورة ، فليست تستعملها من جهة ما هي كذلك ، على مثال ما تستعمله السوفسطائية ، لكن من جهة ما هي في بادي رأى الجميع مشهورات ، واتفق فيها أن تكون مشهورات .
وقد يتفق أن تدخل تحت هذه مقدمات كثيرة صادقة ويقينية ، ويدخل فيها ما هي صادقة بالكلّ وصادقة بالجزء ومظنونة [ ب 267 پ ] ومعلومة وضرورية ومطلقة وممكنة ، ويدخل فيها ما هو خاصّ بالتعاليم أو بالطبيعيّات أو بصناعة أخرى من سائر الصنائع من نظرية وعملية . ولكن ليست تستعمل هذه الصناعة شيئا من أصناف المقدّمات من جهة ما هو ذلك الصنف ، لكن من جهة ما هي مشهورة في بادي الرأي المشترك ، لكن اتّفق فيها مع ذلك أن كانت موصوفة بهذه الصفات الأخر .
والتي في بادي الرأي المشترك للجميع مشهورة :
فمنها : مواضع ، ومنها أنواع .
فالمواضع : هي المقدمات التي تستعمل قواها ، أي جزئياتها ، مقدمات عظمى ، في قياس ، ولا تستعمل هي أنفسها .
المنطقيات للفارابي — صفحة 485
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٨٥