فلذلك يسكت عنها ، لئلّا يشعر به السامع . وذلك أنه ان جعلت المستثناة مقابلة أيّهما اتّفق ؛ لم تلزم عنها النتيجة ضرورية ، ولا في بادي الرأي . وفي هذا خاصّة ينبغي أن تضمر المستثناة . وذلك إذا كان المتكلّم يلتمس أن ينتج عنها التالي أو المقدّم ، فإنه انما ينتج ذلك إذا استثنى مقابل الآخر . وإذا قصدت ذلك ، فليس ينبغي أن يقتصر على الشرطىّ ، بل يصرّح معها في النتيجة ، وتضمر المستثناة والا [ ب 266 ر ] بطل اقناعه ، من قبل أن للسامع أن يستثنى مما أوردته ما يبطل به نتيجتك ، أو لا يدرى أي شئ أردت أن تنتج ، إذ كان يجوز أن يتوهّم عليك أنك انما أضمرت استثناء ينتج شيئا آخر ، غير الذي قصدت انتاجه ، فيصير قولك أول شئ مشكلا ، فيسقط اقناعه .
وأما ان أراد مريد أن ينتج مقابل أحدهما ، فانّه انّما ينتج بأن يستثنى أحدهما . فإذا صرّح به ، لم يبق للمتكلم موضع عناد في التأليف . ولذلك صار الأفضل أن يضمر المستثنى ، ويصرّح وبالنتيجة ، فيصير القول مع ذلك أوجز ، وتكون قوته قوة ما هو في الحقيقة قياس ، إذ له أن يطالب بوجه الالزام .
فكلّ ما أقنع ، وفيه بعد موضع للعناد أو للمسألة والمطالبة ، كان أحرى بالخطابة .
وكذلك الحال في الشرطيّة المتصلة ، إذا عدل بعبارتها إلى أن نجعل على طريق السلب ، كقولنا : لا يوجد النار أو تطلع الشمس ، ولا يوجد الخف أو يوجد الجلد ، ولا يكون هذا المرئى انسانا دون أن يكون حيوانا ، ولا يمشى زيد حتى يتكلم عمرو . فهذه وأشباهها ترجع إلى الشرطيّة المتّصلة .
والغلط يقع كثيرا فيما ينبغي أن يستثنى من أمثال هذه ، وفيما ينبغي أن تكون هي النتائج في الحقيقة .
والنتائج الكائنة في بادي الرأي عن هذه ربما كان الشئ ومقابله من مقدم أو تال ، فينبغي أن يجعل المتكلم النتيجة في أمثال هذه ما يرى أنه لا يقرّبه ، ويحذر أن يصرّح
المنطقيات للفارابي — صفحة 483
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٨٣