وأما ثانيا فربما كانت كاذبة ، بيّنة الكذب ، فيشعر السامع بكذبها ، فيزول اقناع القول . فإذا سكت عنها المتكلم ، أوهم بسكوته أنه انما يسكت عنها ، لأجل أنها ظاهرة الصدق . وان كانت صادقة ، لم يؤمن أن تكون صادقة بالجزء فقط .
وان اضطر المتكلم إلى التصريح بها ، فذكرت مهملة ؛ قامت المهملة في بادي الرأي عند الجمهور مقام الكلية ، وخفى موضع الكذب فيها ، فصارت مقنعة ، إذ كان يبقى فيها موضع للعناد .
وأما في مقاييس سائر الأشكال ، فان مواضع المقدّمات الضرورية في كل ضرب منها خفيّة ، ومع ذلك فإنه لا يتفق أن تكون [ ب 263 پ ] الكبرى منها هي الضرورية لا محالة ، بل ربما كانت الصغرى هي الضرورية في لزوم النتيجة ، فليس بضائر أن يصرّح فيها بكلتا المقدمتين بعد [ ح 118 پ ] أن تجعلا مهملتين ، ليبقى في التأليف موضع العناد . وان سكت عن الضرورية ، وذكرت الباقية مهملة ؛ صارت أخفى ، وكان أمكن للعناد .
وأما أن صرح بالمقدّمات كلّها ، وجعلت الضرورية كليّة ، واستوفى في كل واحد منها شرائط القياس ؛ ارتفع من رتبة الاقناع إلى رتبة اليقين ، ولم يكن في صورها موضع عناد . ومع ذلك ، فان اقناعه يزول من وجه آخر ، وهو أنه يظنّ بمستعمله أنه انما غلب لا بطريق الخطابة ، بل بصناعة منطقيّة تعقّب بها القول ، أو بصناعة أخرى غيرها ، لا بقدرته على جودة استعمال الطريق المشترك بينه وبين جميع مخاطبيه وخصومه .
ومتى ظنّ بالانسان أن غلبته لخصومه هو لنفاذه في صناعة أخرى غير الصناعة المشتركة بينه وبين خصومه ؛ لم يكن قوله ذلك مقنعا ، من قبل أنه يظنّ أن الذي به يقنع ، ليست قوة الأمر ، ولا القضايا التي يستعملها في مخاطبته ، لكن بفضل قوة استفادها عن صناعة أخرى . كما أن المتصارعين متى استعان أحدهما على الأخر بسلاح ، أو بأسباب أخر لا يساويه فيه مصارعه ؛ دل ذلك منه على ضعفه عن الصناعة ، وأخرج عن طبقة المصارعين . وكذلك المتنازعان بالطرق المشتركة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 479
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٧٩