ومن ذلك : تحريف قول الخصم وتصويره بصورة ما تظهر شنعته ، وتسهل مناقضته ، مثل اسقاط كثير من أقاويله ، ونقلها إلى ألفاظ أخرى ، واسقاط ما أضمره الخصوم منها في الأمكنة التي يجوز أن يضمروا فيها .
ولهذا الجنس أيضا قوة عظيمة في تمكين [ ب 259 پ ] الآراء في النفوس ، وخاصّة إذا ضامت الانفعالات كالعصبيّة ، والحميّة ، والألف والمحبّة .
ومنها : الاستشهاد بالسنن المكتوبة ، فمن كانت تشهد له ، احتاج إلى تقويتها ، ويحتاج خصمه إلى تزييفها ، ان قدر ، أو تأولها إلى نحو قوله .
وأما استشهاد القائل بها لقوله ، فإنك تجده كثير إلى كتب كثير ممن نحافى كتبه نحو العلوم على سبيل الغلط ، أو لتكثير الحجج ، كما التمس جالينوس أن يبيّن أن القوّة الشهوانيّة في الكبد ، بأن السنة كانت في بلادهم أن تجعل عقوبة الزاني نزع كبده .
وكما التمس بعض القدماء أن يبيّن أن النفس لا تموت ، وأنها تبقى بعد خروجها من البدن ، بأن السنة أطلقت زيارة القبور .
ومنها : الشهادات : وهي أن يستشهد الانسان لقوله بانسان يركن إلى قوله ، أو بقوم يركن إليهم ، متى شهدوا على ما قاله ، أو كان اللازم عن أقاويل أولئك ما يشدّ قوله ، ويزيّف قول خصمه . كما استشهد جالينوس في كتاب أخلاق النفس أن العقل في الدماغ ، بقول الناس في من استحمقوه : انه لا دماغ له . واحتج هناك أيضا أن الشجاعة في القلب يقول الناس لمن يصفونه بالجبن : انه لا قلب له .
ومنها : رغبة القائل ورهبته . فان رغبة القائل في خير أن صدق ، ورهبته من شر ان كذب . فإنه ان علم أنه يتخوّف شرّا على كذبه ، ان عثر عليه ، وقال قولا ؛ صدق قوله . مثل من يقرر بالتعذيب ، فإنه يصدّق ، ليتخلص منه خوفا [ ب 260 ر ] أن يبيّن منه كذب ، أعيد عليه العذاب . وكذلك ان علم أنه يتوقّع لصدقه خيرا ، صدق . وأيضا ان رغب من خير ، ان رجع عن قوله ، أو أرهب بشر ان أقام عليه ، فلم يرجع عنه ، ورأيناه قد أقام على قوله ؛ وقع في النفس أنه
المنطقيات للفارابي — صفحة 473
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٧٣