تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
ومنها فضيلة القائل ونقيصة خصمه المناصب له . فانّ هذا مما يوقع التصديق بما يقوله القائل ، ويجود بها الاقناع . وان لم يستعمل معها لا ضميرا ، ولا تمثيلا ، ولا شيئا آخر ، سوى أن يخبر عن الشئ اخبارا ساذجا مجرّدا ، بعد أن يكون القائل مشهورا بالفضيلة عند السامعين ، وخصمه مشهورا بالنقيصة عندهم . وإذا استعمل معها الضمائر والتمثيلات ، صارت أشدّ اقناعا ، وأقبل عند السّامعين . فإن لم تكن فضيلته مشهورة ؛ احتاج إلى أقاويل يبين بها فضله ونقص خصمه ، ثم يخبر بالشيء الذي يقصد الاقناع فيه . وكثيرا ما يغلط قوم ، فيستعملون هذه في العلوم خاصّة عند معاندتهم المخالفين لهم في آرائهم ، كما فعل جالينوس عندما يروم مناقضة مخالفيه ، فإنه يفضّل نفسه ، وينتقص مخالفيه في ذلك الأمر الذي يناقضهم فيه . وربما التمس الخطيب تفضيل نفسه ، ونقص خصومه ، لا في الأمر الذي فيه كلامه ، بل يفضّل نفسه ، وينتقص خصومه في أشياء أخر خارجة عن الأمر الذي فيه يتخاطبون ، كما فعل جالينوس في أنه يفضّل نفسه بذكر فضيلة أبيه وبلده ، وينتقص خصومه بذكر نقائص آبائهم وبلدانهم . فإنه ذكر في كتاب [ ب 258 پ ] « حيلة البرء » حين ناقص ثاصلس الطبيب بأن ذكر خاصة صناعة أبيه ، وكما فعل في المقالة الآخرة من كتابه في آراء ابقراط وافلاطن ، حيث ناقص مندبريس الذي رد عليه شيئا مما في كتابه . فإنه تنقصه أنه كان نشأ في قرى بائنة عن المدن الكبار ، وفضّل نفسه بأنه أقام برومية الكبرى التي هي فيما ذكر كثير من الشعراء : أنها العالم الصغير . ومنها استدراج السامعين بالانفعالات النفسانية التي تميل قلوبهم إلى تصديق القائل وتكذيب خصمه . فمن ذلك استمالة الحاكم وسائر الحضور إلى القائل وتمييلهم عن الخصوم . ومن ذلك أن يمكن في نفس الخصم انفعالا يضعف به مناصبته للقائل ومعارضته ايّاه مثل غضب يذهله .