تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
يصير أشدّ اقناعا ، وأراد أن يحكم لذلك الخصم بما قد عرفه في ذلك الأمر من قوة الاقناع ، لا بالظاهر من مخاطبة الخصم ؛ فان ذلك موضع تشكيك : هل يحكم بحسب [ ب 257 پ ] الظاهر من قول الخصم أو بما عرفه هو من قوة الاقناع في ذلك الأمر ؟ ولكن ان كان الحاكم حاكما في ذلك الأمر بحسب اضافته إلى ذينك المتخاطبين فقط ، فليس له أن يحكم بما قد عرفه في ذلك الأمر دون الخصمين . وان كان انما هو حاكم في ذلك الأمر بحسب الأمر نفسه ، أو بحسب الأصلح في المدينة ، أو بحسب الأصلح لهما بالإضافة إلى المدينة ، وكان ما علمه من ذلك هو الأصلح ؛ فإنه بحكم بما عرفه في ذلك الأمر . وهذا انما ينبغي أن يعرف من رتبة الحكم المنصوب ، أي رتبة هي من الرئاسة في الحكم ، فحينئذ يكون ما يفوّض إلى الحاكم من الحكم [ ح 116 ر ] في هذا الأمر على حسب تلك الرتبة . وأما بأي قوّة وبأي ملكة وصناعة يصير الانسان حاكما بين المتنازعين على طريق الخطابة ، فينبغي أن نلخصها فيما بعد . والأشياء التي شأنها أن يكون بها الاقناع : منها الضمائر ، ومنها التمثيلات . فالضمائر منزلتها في الخطابة منزلة البراهين في العلوم ، والمقاييس في الجدل . والضمير كأنه قياس خطبى ، والتمثيل كأنه استقراء خطبى . والضمير قول مؤلف من مقدّمتين مقترنتين يعطينا بذاته أولا بحسب ما في بادي الرأي الاقناع في النتيجة التي تنتج عنهما . وانما يصير مقنعا بأن يضمر المتكلّم احدى مقدمتيه ولا يصرح بها . ولأجل هذا سمى الضمير والمضمر ، إذ كان اضمار احدى مقدمتيه سببا لأن يصير مقنعا . وإلا فإن البراهين والقياسات الجدلية إذا [ ب 258 ر ] استعملت في المخاطبات والكتب ، وفي أكثر الأوقات محذوفة من كلّ واحد منها احدى مقدّمتيه قصدا للاختصار ، أو لأن ما حذف منه ظاهر جدا عند السّامع ؛ فلا تسمّى تلك ضمائر .
المنطقيات للفارابي — صفحة 470 | أبو نصر الفارابي