تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
ومن ذلك أن يوطّئ القائل ببعض الانفعالات نفس المقصود اقناعه لقبول ما يلتمس اقناعه فيه ، امّا بتطييب نفسه ، أو يكسبه بقوله غضبا أو رحمة أو قسوة ، وغير ذلك مما يرى القائل أنه أنجح في ذلك الوقت . وهذا الجنس من المقنعات له قوة عظيمة في تمكين الآراء والأقاويل في النفوس ، وحدوث الحميّة والعصبيّة وجلالة القائل والرأي ، حتى تذعن إليهم النفوس وتتمكّن الآراء التي يأتون بها ، حتى تصير في مرتبة اليقين عندهم . وهذا الجنس خطبى ، الا أنه قد يستعمل [ ح 116 پ ] في المخاطبات السوفسطائية ، وربّما استعمله الجدليون : اما غلطا منهم ، واما مغالطة . ومنها : استنهاض [ ب 259 ر ] السامعين واستفزاز القائل آراءهم نحو تصديق قوله : بالأقاويل الخلقية : وهي الأقاويل التي تحملهم على أن يتخلقوا بأخلاق ما ، وان لم تكن فيهم ، وتتصوّر أنفسهم بصورة أهل العلم بالشيء وتفعل افعال من له تلك الأخلاق وتلك العلوم ، وان لم يكن لهم شئ من ذلك . وهذا الضرب خطبى ، وقد يستعمل في السوفسطائية ، وليس يدخل في الجدل الا غلطا أو مغالطة . وقد استعمل هذا جالينوس حين بقول : انما يفهم قولي أو يستحسنه ويقبله من كان من الأحداث ذكيّا مؤثرا للحق ، وكان على فطرته لم يستمل بهوى ، ولا أفسد ذهنه بالآراء الكاذبة وأشباه هذه الأقاويل . ونجد هذا في مخاطبات الجمهور وكتب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين . ومنها : تعظيم الأمر الذي فيه القول وتفخيمه ، أو تصغيره وتهوينه ، أو تحسينه وتزيينه ، أو تحسينه وتقبيحه . فأن القائل إذا عظم ما في قوله من الصدق والخبر ، وصغر ما فيه من الكذب والشر وهونه ، وعظم كذب قول مخالفيه وشره ؛ قبل قوله ، واطرح قول خصومه . وهذا مستعمل في السوفسطائية ، ويستعمل في الجدل غلطا أو مغالطة .