بها يكون الاقناع ، ينبغي أن تكون كميّة مقدّماتها وتأليفها قياسيّة في الحقيقة وعند الاعتبار .
وبهذا تفارق الخطابة أيضا الصنائع الظنونيّة الباقية . ولذلك إذا أراد الخطيب أن يقنع في أمر داخل في صناعة ما من باقي الصنائع ، فينبغي أن يتنكّب عند الاقناع في ذلك الأمر الطريق الذي يخصّ تلك الصناعة ، بل يستعمل الطريق الذي بحسب الرأي الشائع . وقد يكون رأيا سابقا إلى واحد واحد أيضا .
وهذا لا يستعمله الخطيب في شئ من صناعته . وقد يكون رأيا شائعا في أمة بأسرها ، مشتركا لهم ، خاصا بهم وحدهم .
والسامعون ثلاثة : المقصود اقناعه ، والمناظر ، والحاكم .
فالمقصود اقناعه اما أن [ پ 257 ر ] يكون ابتدأ ، فاستدعى من القائل اقناعا في شئ ما ، واما أن يكون ابتدأه القائل ، فاستدعى منه قبول شئ ما ، والاصغاء إلى ما يقوله .
والمستدعى الاقناع قد يكون قصده استماع الأقاويل ، ليسمع قولا يشدّ أمرا يهواه ، أو يقبل أتمّ قولين متقابلين .
والمناظر : اما أن يكون خصما مناصبا للقائل في القول الذي يقصد به اقناع السامع عائقا له عن أن يقنعه فيه ، أو يكون خصما في الظاهر يتعقّب ما يقوله القائل ويستقصى عن ما يأتي به ، وقصده في الباطن ليزداد قوله عنده اقناعا .
ومن شريطة الحاكم أن تكون له قدرة على جودة التمييز لما هو أشدّ اقناعا من أقاويل الخصمين أحدهما للآخر . والحاكم ربما صار لسوء تحفّظه بما سبيل الحكام أن يستعملوه إلى أن يصير خصما مناصبا ، وذلك إذا استعمل في مخاطبته التي يحكم بها على أحد الخصمين الأقاويل التي سبيل كل واحد من الخصمين أن يستعمله مع الآخر . فلذلك لا يجب أن ينصب للحكم من ليست له قدرة على التحفظ بشريطة الحكم .
وأما إذا كان قول أحد الخصمين أقل اقناعا في أمر ما لضعف ذلك الخصم ، وكان عند الحاكم في ذلك الأمر أشياء يمكن أن يشدّ بها قول ذلك الخصم ، حتى
المنطقيات للفارابي — صفحة 469
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٦٩