فيما سبيله أن تكون فيه ظنون ، وهي الأمور الممكنة في أنفسها ، وفيما سبيله أن يكون فيه يقين ، وهو الضروري .
والصنائع الأخر : انما تكون عنها الظنون في الأمور التي سبيلها أن تكون فيها الظنون ، لا اليقين ، إذ كانت موضوعاتها الأمور الممكنة .
وكلّ واحد منها انما تستعمل في رويّته عندما يقصد استنباط الرأي الصواب فيما ينبغي أن يفعله في شئ شئ من أشخاص موضوعه الذي تخصّه القوانين التي استفادهها من صناعته فقط . وإذا أراد أن يقنع غيره ، فإن كان ذلك من أهل صناعته ، وفي مثل رتبته في قوانين صناعته ؛ فان سبيله أن يستعمل عند اقناعه تلك القوانين التي بها استنبط الرأي الصواب ، فيكون ذلك اقناعا وتعليما . وان كان من غير أهل صناعة ؛ احتاج إلى أن يستعمل معه الطريق المشترك للجميع ، وهو طريق الخطابة . ولا يستعمل الطريق التي تخص تلك الصناعة ، اللّهم أن يتفق أن يكون ذلك بعينه أيضا طريقا مشتركا . وان لم تكن له قدرة على الطريق المشترك ، وأراد اقناعه ؛ فوض ذلك إلى خطيب .
وأما الخطابة [ ب 256 ر ] فستعمل في الاقناع الطرق المشتركة للجميع ، إذ كانت انما تلتمس الاقناع في جميع أجناس الأمور ، ولا تستعمل الطرق الخاصّيّة ، الا أن تكون تلك أيضا مع ذلك مشتركة . فلذلك قد يمكنها أن تقنع في الأمور الطبّيّة ، وكذلك في كل واحدة من الصنائع . ولذلك لها قدرة على اقناع الجمهور بأسرهم في كل شئ . ولذلك إذا قصد صاحب صناعة ما نظريّة ، أو علميّة ، إلى تصحيح رأى من الآراء التي استنبطها بصناعته ، عند من ليس هو من أهل تلك الصناعة ، ممّن لا يتفرّغ أو لا يصلح لتعلّمها ؛ احتاج إلى أن يكون خطيبا ، أو أن ينوب عنه في ذلك خطيب .
والرأي السابق المشترك هو الرأي للذي شأنه إذا فاجأ الانسان ، وقع له من قبل أن يتعقّبه أنه كذلك .
المنطقيات للفارابي — صفحة 467
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٦٧