والفطر الفائقة ، من غير أن يشرع لها قوانين كلّيّة ، إلى أن شرع أرسطوطاليس [ ب 255 ر ] في كتاب البرهان وقوانينه ، فهو أول من حصلت له هذه الطرق ، فوضع لها قوانين كلّيّة مرتّبة ترتيبا صناعيا ، وأثبتها في المنطق .
فرفض المتفلسفون مذ ذلك تلك الطرق القديمة التي كان الأقدمون يستعملونها في الأمور النظرية التي يلتمس بها اليقين ، وجعلوا الجدليّة تستعمل في الرياضة وفي تعليم الجمهور كثيرا من الأشياء النظرية ، وجعلوا السوفسطائية للمحنة والتحذير .
وجعلوا الطرق الخطبية تستعمل في الأمور المشتركة للصنائع كلّها . وهي الّتي لا يمكن أن يستعمل فيها طريق يختصّ بصناعة دون أخرى ، بل للصنائع بأسرها ، وفي تعليم الجمهور كثيرا من الأشياء النظرية ، وفي تعليم الانسان الذي ليس من أهل صناعة ما الأشياء الخاصة بتلك الصناعة ، متى احتيج إلى ذلك في وقت ما ، وفي المخاطبات التي تستعمل في المعاملات المدنية .
والصنائع الظنونية : هي التي شأنها أن تحصل عنها الظنون في موضوعاتها التي أعدّت ، وتلك هي الخطابة والتعقل . والصنائع العملية كالطّبّ والفلاحة والملاحة وأشباهها . وكل واحد منها سوى الخطابة تجتهد وتتحرّى الصواب في كلّ ما اليه أن يفعله ، أو أن يفعل فيه .
والرأي الصواب هو ظنّ ما صادق .
ولكل واحدة من هذه الصنائع [ ح 115 ر ] موضوع خاص ، وانما تستنبط الصواب أو تقنع في موضوعها الذي يخصّها فقط . وتفارقها الخطابة . فان الخطابة انما أعدت لتقنع فقط ، لا لأن تستعمل في الروية ، ولا لأن [ ب 255 پ ] يستنبط بها الأمر الذي فيه تقنع .
والصنائع الظنونية الباقية تستعمل الروية في استنباط الشئ الذي هو موضوع لها وتقنع فيه .
والخطابة فليس لها موضوع تقنع فيه خاصّة دون غيره ، بل تلتمس الاقناع في جميع أجناس الأمور . وأيضا فان الخطابة شأنها أن تكون عنها الظنون
المنطقيات للفارابي — صفحة 466
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٦٦