وهذا مطرح . والذي معاضده مساو في الكرة والظهور لمعانده ، فإنه هو ومقابله يستعملان في الصنائع الظنونية ، لا على أن يستعملا في شئ واحد في وقت واحد ، لكن في حالين مختلفين ، ووقتين مختلفين . وعن أمثال هذه يمكن أن يقع الشك والحيرة متى استعملا في العلوم ، ولم يشعر بها فيهما من الكذب . تعريف الشك : فان الشك هو وقوف النفس بين ظنين متقابلين كائنين عن شيئين متساويين في البيان والوثاقة .
والتساوي [ ب 54 پ ] في الوثاقة هو أن يكونا متساويين في ضرورة لزوم ما يلزم عن كلّ واحد منهما ، وأن يكونا من جهة الضّرورى ، أو الامكان في وجودهما على السّواء في الرتبة . وتساويهما في البيان أن تكون شهرتهما أو علم الانسان بهما على السواء .
وإذا لم يكن للانسان ظنّ ولا في واحدة من القضيتين المتقابلتين ، كان ذلك مطلوبا ، ولم يكن شكا .
ووثاقة الظن : الاستقصاء فيه وتعقّبه إلى أن يبلغ إلى حيث لا يشعر بمعاند الرأي . وقد يكون بالطرق الخطبية ، والطرق الجدلية . والانسان انما يشعر بالطرق .
الخطبية قبل أن يشعر بالجدلية . لأن الخطبية تجرى بها عادته مذصباه وأول امره في الأمور الأول التي سبيل الانسان أن يعانيها . وأما الجدلية فإنما يشعر بها أخيرا .
وأخفى من الجدليّة الطرق البرهانيّة ، فإنها لا يكاد يشعر بها من تلقاء نفسه .
وقد كان المتفلسفون في قديم الدهر يستعملون عند فحصهم عن الأمور النظرية الطرق الخطبية مدّة طويلة ، لأنهم لم يكونوا شعروا بغيرها ، إلى أن شعروا أخيرا بالطرق الجدلية . فرفضوا الخطبيّة في الفلسفة ، واستعملوا فيها الجدلية ، واستعمل كثير منهم الطرق السوفسطائيّة .
ولم يزالوا كذلك إلى زمان أفلاطن ، فكان أول من شعر بالطريق البرهانية ، وميّزها عن الجدليّة والسوفسطائيّة والخطبيّة والشعرية ، الا أنّه انّما تميّزت له عنده بعضها عن بعض عند الاستعمال في المواد ، وعلى حسب ما يرشد إليها الفراغ
المنطقيات للفارابي — صفحة 465
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٦٥