وآخرون من القدماء رأوا بأنه لا ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال ، بل يسقط بتزييف ، من قبل أنهم زعموا أن هذه وأمثالها راجعة على ابطال رأى كل سائل قصد بها ابطال رأى انسان آخر ، وأنها تبطل الآراء كلّها ، وتمنع أن يعتقد انسان رأيا ما . ولا سبيل إلى منع ذلك ، إذ كان كلّ انسان فله رأى ما ، حتى أن من يقول لا رأى أصلا ، فان قوله هذا رأى له .
فزعم هؤلاء أن مثل هذه من المسائل تسقط ، ولا يجاب عنها ، لأجل ما جاءوا به ؛ وزعمهم أن السؤالات تبطل لأنّها آراء تدور على آراء من سأل عنها ، كذب منهم ومحال . لأنه أن كانت آراء السائل كلها ظنونا ، وكان يشعر أو يعترف أنها ظنون ، فإنها لا ترجع عليه ، وتبطل آراءه ، بل يكون السائل قد التزم قبل سؤاله ما ألزمه إياه مسائله .
وانما قصد السائل أن يبيّن [ ذلك ] لمن لا يشعر ، أو لا يعترف في آرائه التي هذه حالها أنّها ظنون ، بل انما يظن أنها يقين ، أو يوهم أنها يقين . وأيضا فان آراء السائل ، ان كانت يقينا ، أو كان فيها يقين ؛ لم ترجع هذه عليه بابطال آرائه ، لأن اليقين لا يمكن ان يزول بعناد أصلا ، ولا أيضا يبطل كلّ رأى ، ولا الآراء كلّها ، ولا آراء الجميع ، بل انما تبطل على من لا يشعر ، أو لا يعترف في ما حاله هذه الحال من الآراء أنه ظن ، فيلزمه أنه ظن .
وأما من كان رأيه يقينا أو ظنا يشعر به ، أو اعترف أنه ظن ؛ لم تبطل هذه المسائل رأيه .
ولم لا يستحقّ جوابا ؟ وهل ذلك [ ب 253 ر ] الأمثل أن المشهور يصحّح قضيّة ما ، وقول آخر قياسي يصحّح مقابلها ، فيتعاند المشهور والقول القياسي ؟ وهل ذلك الا مثل قولين قياسيين يلزم أحدهما مقابل ما يلزمه الآخر ؟ فهل يطرح أحد القولين ولا يصغى اليه ، ولا إلى الذي يخاطب به ، أو يقتصر بأن يقال : أن هاهنا حجة أخرى تثبت ما يبطله ذلك القول ، فيلتمس إبطاله ، ويبيّن موضع المغالطة فيه ، ان كان هناك مغالطة
المنطقيات للفارابي — صفحة 462
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٦٢