تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
واليقين يزول بموت المعتقد له ، وفساد ذهنه ، ونسيانه ، ولا يزول لا بتلف الأمر ، ولا بعناد أصلا ، على ما بيّن في كتاب البرهان . ومن خواص اليقين على الاطلاق : إذا حصل ، أن لا يزول أصلا مع سلامة المعتقد ، وسلامة ذهنه . واليقين إلى وقت ما : فيزول بتلف الأمر ، أو تغيّره إلى مقابله ، مع سلامة المعتقد وسلامة ذهنه . ومن خواص الظّنّ [ ب 252 ر ] أن يمكن زواله في المستقبل مع سلامة المعتقد ، وسلامة ذهنه ، وسلامة الأمر من غير أن ينساه . وبالجملة : كلّ اعتقاد حاصل في وقت ما أمكن أن يزول في المستقبل بعناد ، فهو ظن . وكل اعتقاد قام إلى وقت ما ، ثم زال بعناد ؛ فقد كان من قبل أن يزول ظنا ، لا يشعر به صاحبه [ ح 113 پ ] أنه ظنّ . وقد سال بعض القدماء في الآراء التي بحسب انسان انسان ، فقالوا : هل تأمن فيما تعتقده اليوم من الآراء أن ترجع عنها إلى مقابلاتها ؟ ومثل ذلك قوله : هل كنت قديما على رأى تعتقد صحّته وصدقه ، رجعت عنه إلى مقابله ، فصار مقابله اليوم عندك حال مقابله بالأمس ، فما يؤمنك أن ترجع عن هذا إلى مقابله الأول ؟ وأشباه هذه من المسائل القديمة . فان هذه كلها انما كان يقصد بها إلى أن يتبيّن ان أمثال هذه الآراء ظنون وغير كافية في الأشياء النظرية التي سبيلها أن تكون الآراء فيها يقينا . وأن هذه ليس ينبغي أن تجعل من اليقين . وقد أجيب عنها بأجوبة غير كافية لسوء معرفتهم بطريق اليقين . وذلك أن بعضهم أجاب : أنى لا أرجع عن الرأي الذي هذه صفته ، ما دامت حالي فيها هذه الحال . وهذا ليس بجواب يجعل آراءه وفي حدّ اليقين . وذلك أنه لا فرق بين هذا القول وبين أن يقال : لا أرجع عنها ما دامت لا أعلم لها معاندا يزيلها ، أو ما دامت لا تتزيف الحجج التي بها صحّت عندي . وهذه الحال هي حال الظنون . فان الظن متى [ ب 252 پ ] لم يظهر له معاند ، فكأنه عند معتقده يقين .