[ ب 250 ب ] ما فوقه . وان رأى أدنى منازله لا يبلغ له ما يريده ، استقصاه وأكده . وان كان الأنفع له ابطال شئ منه ، عانده وعارضه على علم بقوته .
والقناعة وان بلغ بها أوكد أمرها ، فلا بدّ فيها من موضع العناد أما كثيرا ، واما قليلا ، ظاهرا أو خفيا .
وخفاء معاند الظن قد يكون من جهة المعتقد والناظر ، وقد يكون من جهة الأمر المنظور فيه . وذلك أن الرأي قد يكون له معاندات كثيرة شأنها أن ترشد الانسان وتنبهه على كذب رأيه اما بالجزء ، واما بالكل ، وعلى الصواب مما ينبغي أن يعتقد ؛ فلا يشعر بها اما لتوانيه وايثاره لراحة فكره وبطالته ، أو لتشاغله عن استقصاء طلبها بما به قوام الحياة ، أو بالنظر في جنس ما من الأمور غير جنس الأمر الذي لم يشعر بمعانده ، والفحص عنه دون باقي الأشياء ، أو لنقص ذهنه ، وذلك للحداثة فيزول ، أو بالفطرة فلا يزول . وقد تكون قوته بالفطرة ، على ادراك الأشياء التي سبيلها أن تدرك بالقياس إلى مقدار ، ما . أو انما تكون له تلك القوة على جنس ما . فإذا التمس من نفسه فوق ذلك المقدار اما في كل شئ ، أو في جنس ما ؛ خارت قوته . وقد تخور القوة عن كلال وتعب لنظر في أمور متقدمة ، ولو كان سبق إلى النظر في هذا ، ففحص عنه [ ح 113 ر ] عن جمام من قوته لاستخراج المعاند له . وذلك كما يعرض في القوى الجسمانية .
فإذا فحص الناظر عن الشئ ، فاعتقد فيه رأيا ما ، ثم تعقب ذلك الرأي [ ب 251 ر ] بغاية ما ما قدر عليه ، فلم يستبن له معاند ذلك الرأي ، ولا صحة مقابله إلى غايته تلك ، لأجل خفاء المعاند لرأيه ، وكان ذلك من جهته هو ؛ فقد صحح ذلك الرأي بحسب طاقته .
وأما خفاؤه من جهة الأمر نفسه ، فذلك بأسباب وأحوال في الأمر : من ذلك أن تكون المعاندات له تؤخذ عن أشياء سبيلها أن تشاهد وتجرب ، فيعاق الناظر عن مشاهدتها وتجربتها ، اما لبعدها في الزمان ، أو المكان ، أو لعائق آخر ، كما يحتاج في كثير من أمور الحيوان إلى مشاهدة كثير من أعضائه الباطنة ، فيمتنع من ذلك ، اما لعوز الآلات ، أو أن الشريعة لا تطلق له ذلك .
المنطقيات للفارابي — صفحة 459
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٥٩