ومن ذلك أن تكون المعاندات غامضة يحتاج في استثارتها إلى قوة زائدة تستفاد من صناعة أخرى لا تكون له ، أو يكون الكذب في القضية الكلية يسيرا جدا ، فتكون المعاندات له قليلة .
والانسان إذا لم يشعر بمعاند رأى ما ، وعلم أن خفاه عليه من جهة نفسه ؛ اتهم ذلك الرأي ، ولم يسكن اليه ، ولم يثق به ثقة تامة .
ويعسر أن يعلم الانسان لأي الجهتين خفاء المعاند : أم من جهته ، أم من جهة الأمر نفسه .
وبعيد أيضا أن تقع للانسان تهمة نفسه فيما يعتقده ، بل يثق برأي نفسه ، ولا سيما إذا خفى المعاند عليه ، بعد طول الحرص على ما يعتقده .
وأوثق الظنّ انما يحدّ بحسب انسان انسان ، لا بحسبه في نفسه . فان الذي هو أوثق الظنون عند كل انسان هو ما بذل وسعه في تعقّبه ، فلم يحصل له عنده معاند ، أو فسخ كل معاند له ، فيصير [ ب 251 پ ] اعتقاده لا عناد له عنده أصلا ، وخاصة إذا كان لا يتهم ذهنه في ذلك .
وبهذا الوجه كان الأقدمون من القدماء يصحّحون آراءهم في الأشياء النّظريّة ، وهو أن الواحد منهم كان يلتمس القياس على مطلوب ما . فإذا صادفه ، جعل ذلك الشئ الذي صادف قياسه رأيا له . ثم يتعقب ذلك الرأي ، ويلتمس معانداته ، ويقاس بينه وبين مقابله . فإن لم يجد له معاندا ، أو وجد له معاندات قدر على حلها أو مناقضتها ؛ جعله رأيا لنفسه ، واعتقد صحّته . وهذا بحسب انسان انسان .
والاستقصاء في وثاقة الظّنون يبلغ بالطرق الجدليّة أكثر مما يبلغ بالطّرق الخطبيّة ، ومع ذلك فلا يؤمن أن يكون مقابلا لصحة الأمر .
والاعتقاد يزول بأسباب : اما بموت المعتقد ، أو فساد ذهنه ، أو بنسيانه ، أو نسيان برهانه ، أو زوال الأمر الذي كان فيه الاعتقاد ، بتلف ، أو استمالة إلى مقابل ما كان عليه ، واما بمغالطة ترد عليه ، لا يشعر بها المعتقد للرأي ، أو عناد صادق يبيّن له كاذب اعتقاده .
المنطقيات للفارابي — صفحة 460
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٦٠