في المعايش على تصديق بعضهم لبعض فيما يتخاطبون به ، ورجوع بعضهم إلى قول بعض حتى يسمون هذا المعنى علما .
والظن واليقين يشتركان في أنهما رأى . والرأي هو أن يعتقد في الشئ أنه كذا ، أوليس كذا . وهو كالجنس لهما ، هما كالنوعين .
والقضايا التي فيها تكوّن الآراء ، وبها تكون المخاطبات ، منها ضروريّة ، ومنها ممكنة .
فالضروريّة : منها ضروريّة على الاطلاق ، ومنها ضروريّة في أوقات ما ، وقد كانت قبل تلك أوقات ممكنة الوجود واللاوجود ، وهذه تخص باسم الوجودية .
واليقين [ ب 249 پ ] يوجد في الضروريات فقط . ويشبه أن تكون أصناف اليقين بحسب أصناف الضروري ، فيكون منه يقين على الاطلاق ، وما هو يقين في وقت ما ، ويزول .
وليس في الممكن يقين أصلا . ولست أعنى أن علمنا بالممكن ليس بيقين ، انما أعنى أنه إذا كان شئ ممكنا أن يوجد في المستقبل ، وأن لا يوجد ، لم يمكن أن يكون لنا فيه يقين أنه يوجد ، أو لا يوجد . وهذا هو أن اعتقادنا وجود ما هو ممكن أن أن يوجد لا يكون يقينا أصلا .
فالاقناع والظن بالجملة قد يكون في أصناف الضروريات ، وفي الممكن .
واسم الممكن يدل أولا على معنيين :
أحدهما : على المجهول الذي يلزم ضرورة أن يقتضى معناه المطلوب الذي هو الصواب [ ح 112 پ ] على التحصيل .
والثاني : على جهة من جهات وجود كثير من الأمور المستقبلة .
فجهلنا بما لم يلزم بعد أي نقيضي المطلوب هو الصواب أو الصادق : هو الممكن من جهتنا نحن فقط ، وليس هو معنى موجودا في الأمر من خارج أنفسنا .
فالممكن الذي يشترط في الظن ليس هو الممكن الدال على شئ يوجد للأمر
المنطقيات للفارابي — صفحة 457
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٥٧