تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
وكذلك الاستقراء يكثر مثالات الشئ الواحد فيجود به فهم الانسان للشئ . وقد يستعمل أيضا لإخفاء ما يتسلم من المجيب ، وذلك أنه إذا تسلمت جزئيات الشئ مكان الشئ كان أحرى أن يسلّمه المجيب فإذا سلمها ، فقد سلم الكلى . ويستعمل أيضا للتوثق من المجيب ، لأنه إذا قرّر بجزئيات المقدمة الكلية ، ثم طولب بتسليم تلك المقدمة ؛ لم يمكن أن يروغ عنها ، فلا يسلمها ، إذا كان قد سلم جزئياتها . وهذه الأنحاء من أنحاء استعمال الاستقراء غير استعماله لتبيين شهرة المقدمات ، أو لأن يوقع التصديق بها للسامع . وقد يستعمل في العلوم شئ شبيه بالاستقراء ، وذلك أن كثيرا من المقدمات الكلية الأول التي سبيلها أن تكون معلومة لكل انسان من أول أمره بعلم أول ، كثيرا ما يغفل الانسان عنها ، ولا يشعر بها انها عنده ، وإذا خوطب بها ، لم يصدق بها من حيث هي كلية من حيث هي معبّر عنها بالعبارة التي يسمعها في ذلك الوقت ، اما لأنه لم يستعملها أصلا ، إذ كان لم يزاول إلى وقته ذلك من الأعمال أعمالا احتاج فيها إلى استعمالها ، واما أن يكون قد استعمل في الأمور التي زاولها جزئياتها ولم يستعملها كما هي كلية . فإذا خوطب بعبارة تدل عليها من حيث هي كلية ؛ لم يقع له التصديق بها ، لأجل انه ليس يفهم معنى الذي يخاطب به ، فتصفّح له الجزئيات التي قد عرفها ، ليفهم بها معنى اللفظ الذي يخاطب به . فكما تفهّمه يقع له من ساعته اليقين بها ، وليس اليقين الحاصل له حاصلا [ ب 245 ر ] عن الاستقراء ، لكن عن فهمه لمعنى اللفظ ، ولأنه تصور في نفسه معنى كلى قد كان في نفسه ، ولم يخلص له عن جزئياته ؛ فكما يخلص له تيقّن بما حمل على ذلك المعنى انه محمول على جميع ما يوصف به . على مثال ما استعمل أرسطوطاليس ذلك في صدر كتابه في البرهان ، في قوله : كل تعليم وكل تعلم فكرى ، فإنما هو عن علم تقدم وجوده .
المنطقيات للفارابي — صفحة 449 | أبو نصر الفارابي