وذلك أنه ليس شئ من المحمولات داخل في الجوهر دالا على شئ خارج عن ذات موضوعه ، بل جميعها يدلّ على ذات موضوعه وعلى ما هو ذلك الشئ .
فلذلك انما يكون جنسا لموضوعه أو فصلا له أو حدا أو نوعا ، ان كان موضوعه شخصا . غير أن القضية التي موضوعها [ ح 108 پ ] شخص خارجة عن صناعة الجدل .
لكن قد يقول قائل في مثل قولنا : هل الماشي حيوان ، وهل الضحاك انسان ، وهل الأبيض جسم ؟ ويسأل عن محمولات أمثال هذه ، وهي كلها جواهر وموضوعاتها أعراض على أي شئ تدلّ من موضوعاتها ، [ ب 241 ر ] فهل تدلّ منها على ما هو كل واحد منها ، أو على أشياء خارجة عن جواهرها ؟
فان كانت تدل على ما هو كل واحد منها ؛ لزم أن يكون الأبيض جوهرا ، وقد قيل فيما تقدم : أن ما تدل عليه الأسماء المشتقة فهي كلها أعراض .
وان كانت هذه المحمولات تعرف من موضوعاتها أشياء خارجة عن ذواتها ، وكان هذا هو رسم العرض ، لزم أن يكون الانسان والحيوان عرضا ما . لكن عسى أن يكون عرضا بالإضافة إلى شئ آخر وجوهرا بالإضافة إلى نفسه ، وكذلك يكون ذلك .
فاذن ليست تخلص لكليات الجواهر طبيعتها من حيث هي جواهر ، بل انما تكون لها هذه الطبيعة بالإضافة إلى موضوعاتها ، فيكون لها موضوعان . فيكون جوهرا لأحد موضوعيه وعرضا لموضوعه الآخر . فإن كان انما صار جوهرا لأحد موضوعيه ، لأجل أنه يعرف ذاته ، وصار عرضا لموضوعه الآخر ، لأجل أنه يعرف ما هو خارج عن ذاته ؛ لزم ذلك أن يكون اللون أيضا جوهرا بالإضافة إلى البياض وعرضا بإضافة إلى الجنس .
فلا تخلص في موجود من الموجودات طبيعة العرض ولا طبيعة الجوهر ، بل يكون كلّ محمول فهو بعينه عرض وجوهر ، حتى الأشخاص ، إذا أخذت محمولة ، في مثل قولنا : هذا القائم زيد ، وهذا المتكلم عمر .
المنطقيات للفارابي — صفحة 443
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٤٣