وهل يجوز أن يكون شئ يمكن وجوده فلا يكون موجودا أصلا فيما مضى ولا في المستقبل ، وهل يوجد شئ يمكن فيه بحسب طبيعته أن يعدم ، فلا يحصل له عدم فيما مضى ولا في المستقبل ، وهل يوجد شئ يمكن فيه بحسب طبيعته أن يعدم فلا يحصل له عدم فيما مضى ولا في المستقبل ، وهل يمكن فيما لم يزل في ما مضى موجودا أن يفسد في المستقبل ، وهل يمكن فيما [ ب 232 پ ] لا يزال موجودا في المستقبل أن يكون قد كان غير موجود فيما مضى ، وأمثال هذه الأشياء حقيقة أن يفحص عنها ويبالغ فيها ويستفرغ المجهود في الجدل فيها .
وهذا قصد أرسطوطاليس بقوله : والتي ليست [ ح 105 ر ] لنا فيها حجة ، أو هي عظيمة في ظننا ، ان قولنا فيها : لم ذلك ، عسير ، مثل قولنا : هل العالم أزلي أم لا ؟ . فان هذا المثال الذي جاء به هو جدلى جدا من قبل ، ان قولنا : هل العالم أزلي أم لا من حيث هو مأخوذ بهذه اللفظة ، فلا يمكن أن يصادق عليه قياس يقيني أصلا ، لا انه أزلي ولا انه ليس بأزلى . وذلك ان قولنا : العالم لفظة مشكّكة ، أخذت مع ذلك مهملة . فإذا أخذت جملته هكذا ، أو على أجزاء كثيرة ، بعضها بيّن فيه انه ليس بأزلى ، وبعضها يمكن أن يصادف عليه قياس ما انه أزلي ، وبعضها ليس يبيّن كيف الحال فيه ، فإذا أخذت جملته ؛ خيّل أحيانا الأزلية وأحيانا الحدوث ، فيصادف أبدا عليه قياسان متقابلان . وأنما سبيله أن ينظر في جزء جزء من أجزائه أجزائه ، هل هو أزلىّ أم لا ، وعلى كم من جهة يمكن أن يكون الشئ أزليا ، وعلى كم جهة يقال : انه غير أزلي .
فهذا هو الطريق إلى مصادفة برهانه . وأما على الطريق الأول فلا يمكن أن يصادف برهانه ، بل انما تكون القياسات التي تصادف عليه قياسات متقابلة .
ولذلك لمّا لم يهتد جالينوس الطبيب إلى طريق البرهان على هذا المطلوب
المنطقيات للفارابي — صفحة 429
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٢٩