ومعنى بعده ، أن لا تكون له بها صلة أصلا ، مثل ما ذكرناه من اختلاف مسير القمر .
وأما التي يمكن أن تثبت أو تبطل بالمقدمات المشهورة بقياسات كثيرة مترادفة بالغة في الكثرة ما بلغت ، فليس يمنعها ذلك من أن تجعل مطلوبات جدلية .
ولم يرد بقوله : بعيدا جدا ، ما كان بعده من المشهورات هذا البعد ، لكن ان لا يمكن بيانه بشيء من المقدمات المشهورة أصلا ، وبالجملة كل ما أمكن أن يثبت أو يبطل بالمقدمات المشهورة ، وكان ممّا ينتفع به بوجه ما في العلوم [ ب 232 ر ] الثلاثة اليقينية ؛ فإنها تجعل مطلوبات جدلية .
والأشياء التي تختلف فيها آراء الفلاسفة ، منها ما هي عظيمة الغناء ، ويكون عظمها وجلالتها ، اما لشرفها في نفسها ، أو لشرف الأشياء التي تعلم بها ، أو أعظم غنا معرفة الجمهور لها ، أو يكون عظمها لأجل صعوبة الوقوف على أسبابها ، أو يكون عظمها لسبب صعوبة الطريق إلى مصادفة براهينها .
مثل قولنا هل العالم أزلي أم لا ؟ فان هذا ممّا يختلف فيه الفلاسفة ، وهو عظيم بسبب أن المطلوب في نفسه شريف الوجود ، إذ كان العالم بأسره ، واجتمع إلى ذلك شرف الأمر الذي اليه يصار بعلم هذا ، فان معرفة هذا هي الطريق إلى العلم الإلهي .
وأيضا فان الوقوف على أسباب أزليّته أن يبيّن أنه أزلي عسير . والوقوف على أسباب حدوثه أن يبيّن انه حادث عسير أيضا ، وأيضا فان معرفة الجمهور لها عظيم الغناء لهم .
ومع ذلك فان الغلط في أمثال هذه ان وقع ، كان سببا للغلط في أشياء كثيرة جدا ؛ وان وقف على الصواب منه ، كان ذلك سببا للوقوف على الصواب في أشياء كثيرة جدا .
وكذلك قولنا : هل العالم متناه أو غير متناه ، وهل ينقسم الجسم إلى غير نهاية ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 428
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٢٨