وأما المتشكك فيما سبيله من المقدمات أن يؤخذ عند الجميع بفعله واعتياده ، ويعاقب إذا امتنع من استعماله ، وفيما سبيله منها أن يحتاج إلى احساس أشخاصها ؛ فإنه لا يلتفت اليه ، ولا يجعل ما يتشكّك فيه وضعا جدليا أصلا ، ولا أيضا يجعل في جملة الآراء البديعة ، وخاصة إذا كان انما يتشكّك من تلك في أجزائها التي تؤخذ بفعلها ، ويعاقب إذا امتنع منها ؛ ومن هذه في أجزائها التي تدرك بالحس ، أو التي شأنها أن تدرك بالحس . وأعظم من ذلك إذا كان يتشكّك فيها تشكيكا كليا ، مثل أن يأتي بقياس يروم أن يبيّن به أنه ولا واحد من الآباء ولا في حال من الأحوال ينبغي أن يكرم .
وإلى هذه قصد أرسطوطاليس بقوله : وليس ينبغي لنا أن نبحث عن كل مطلوب ولا عن كل وضع ، لكن يجب أن يكون بحثنا عما يشك فيه شاك ممّا يحتاج فيه إلى قول ، لا إلى عقوبة أو حس . وذلك أن الذين يشكّون ، فيقولون : هل ينبغي أن يعبد اللّه أم لا ، وهل يجب أن يكرم الوالدان أم لا ، يحتاجون إلى عقوبة . والذين يشكّون فيقولون : هل الثلج أبيض أم لا ، يحتاجون إلى حس .
وأما ما يختلف فيه الفلاسفة من الآراء ويتضادون فيه ، فان كثيرا منه ينبغي أن يحصل أمره ، وذلك أن في جملته ما لا ينبغي [ ب 231 ر ] أن تجعل أوضاعا جدلية .
وذلك أن منها ما لا يمكن أن يوجد له مقدّمات مشهورة تثبته ، أو تبطله ، لا قريبة ولا بعيدة ؛ بل انما تصحّح بمقدمات لا تخطر ببال الجمهور وبأشياء ليس عند الجمهور فيها رأى أصلا : لا انها كذا ولا انها ليست كذا ، ولا هي أيضا نافعة لهم .
كقولنا : هل القمر مسير ما مختلف عند تثليثه الشمس وتسديسه لها سوى مسيره المختلف الذي له عند الاجتماع والمقابلة أم لا . وهل لأوج الشمس حركة على توالى البروج أم لا .
المنطقيات للفارابي — صفحة 426
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٢٦