تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
فان هذه ممّا يختلف فيه أصحاب التعاليم . والمقدمات التي تبيّن الحال فيه كيف هو ، ليس للجمهور في شئ منها رأى ولا نظر ، بل انما يعرفها أصحاب التعاليم فقط . فما كان هكذا من المطلوبات ، فليس ينبغي أصلا أن تجعل أوضاعا جدلية أصلا ، لكن مطلوبات عملية . وما كان من شئ يتبرهن في العلوم ، فقد يوجد له مقدمات مشهورة تثبته أو تبطله أو تفعل الأمرين جميعا . غير أن ذلك الشئ ان كان قريبا جدا من المقدمات الأول اليقينية ، وكان يتبرهن بالبراهين الأول من الصناعة ، فإنه بيّن أنه يستغنى فيه عن أن يرتاض به أو فيه ، إذ كان لا يعسر أخذ برهانه من جهة الناظر فيه لأجل نقص فطرته وقريحته وضعفها عن مصادفة قياسه وسوء مؤاتاته ، دون تذليل ذهنه واعداده نحو وجود قياسه . أو بأن يقترن اليه أمر آخر يعسر تمييزه [ ح 104 پ ] عنه ، فلا يحصل للانسان في أول الأمر طبيعته التي تخصّه ، فيعسر لذلك وجود برهانه . وأما ما لم يكن يحتاج [ ب 231 پ ] في وجود قياسه إلى شئ من ذلك ، بل كان يصادف برهانه بلا تأمل أو بتأمل يسير ، استغنى عن الارتياض فيه وتداوله . وهذا وشبهه ان احتيج إلى أن يعلمه الجمهور ، أمكن تعليمهم ايّاه بالبراهين التي صودفت لها ، إذ كانت تلك البراهين لا تعتاص عليهم ، إذ كانت بيّنة بأنفسها ، وداخلة أيضا في جملة المشهورات . وإلى هذا قصد أرسطوطاليس بقوله : ولا يجب أن يتشكّك أيضا فيما كان البرهان عليه قريبا جدا ، ولا في ما كان البرهان عليه بعيدا جدا ، فان ذلك ليس فيه شك . وهذا أبعد كثيرا من نظر الصناعة الرياضية . فإنه أراد بقوله : قريبا جدا ، قربه من المقدمات الأول البرهانية التي يصادف برهانه من غير فكر ولا تأمل ، أو بتأمل يسير جدّا . فما كان هكذا ، فان الارتياض فيه وتعريضه للاثبات والابطال فضل . وأراد بما هو بعيد جدا ما سبيله أن يكون بعيدا من المقدمات المشهورة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 427 | أبو نصر الفارابي