تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
تفقدها ، أو كانت أشخاصها بحيث لا ينالها حسه ؛ بقيت عنده غير معلومة ، ولم يمكن أن يوجد شئ أظهر منها يؤخذ في تعريفه بها ، ولا يصلح أيضا أن يرتاض بها ولا فيها . لأنه انما يرتاض فيما إذا جهل ، كان بيانه بقول وقياس ، وهذا ليس سبيله أن يبيّن بقياس . وأيضا فان الذي لا يعترف بمحسوس ما ولم يكن أحسه أصلا ؛ عسى أن لا يتخيّل ذلك المحسوس . فكيف يمكن أن يفحص عمّا لم يتخيّله ولم يقم في نفسه معنى لفظه ، فهو إذا انما يفحص عن اسمه فقط ، ويسمع إذا بيّن له ذلك كلاما من غير أن يتصوّر معنى شئ منه . ويشبه أنه [ ب 229 ر ] قد يكون في الناس من في فطرته نقص أو ضعف عن علم كثير من المقدمات الأول اليقينية ، ويكون ذلك النقص بالفطرة في جزئه الناطق شبيه العمى في الانسان من مولده . فكما أن الأعمى من مولده لا يمكن أن يكون قد أدرك الألوان ببصره ، كذلك الناقص الفطرة من مولده في الجزء الناطق منه لا يمكن أن يكون قد حصل له كثير من المقدمات الأول . فلا يمتنع أن يتشكّك في تلك المقدمات ، كما قد يجوز أن يتشكّك الأعمى من مولده في وجود الألوان . فكما أنه لا سبيل لنا في التشكك في الألوان إلى أن [ ح 103 پ ] يبيّن له بالقول وجود الألوان ، كذلك لا سبيل لنا في المتشكّك في تلك المقدمات الأول إلى أن يبيّن له بالقول صحتها . وكما أن الأعمى من مولده انما يسمع منّا في الألوان كلاما من غير أن يتصور من ذلك الكلام معنى في نفسه ، كذلك هذا انما يسمع منّا في تلك المقدمات كلاما فقط ، من غير أن يتصور في نفسه من ذلك الكلام معنى ، غير أن الأعمى من تولده بيّن الأمر في الألوان . والذي لحقه النقص بالفطرة من أول كونه في جزئه الناطق غير
المنطقيات للفارابي — صفحة 423 | أبو نصر الفارابي