تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
فيها ليس يؤمن أن يهون أمرها ، ويجعلها في صورة ما ليس يبالي به أن يطرح ، ولا يتمسّك به . ويصير المتشككين فيها أشرارا أردياء الأخلاق غير مشاركين لأهل المدن . وان لم يصيروا بها أردياء ، ظنّ بهم الشر . والانسان ، كما قال أرسطوطاليس ، ينبغي أن لا يكون شريرا ولا يظن به أنه شرير . وذلك مثل عبادة اللّه تعالى واكرام الوالدين وصلة الأرحام ومواساة المحتاج والاحسان إلى المحسن وشكر المنعم ، وأشباه هذه من الأخلاق والأفعال . فإنه لا ينبغي أن يتشكّك فيها ، فيقال : هل ينبغي أن يعبد اللّه أم لا ، وهل ينبغي أن يكرم الوالدان أم لا ، وكذلك في الباقية ، ولا يعرض أمثال هذه للاثبات والابطال . وأيضا فان الجميع يرون في هذه المقدمات المشهورة أنها ليس ينبغي أن تمكن في النفوس بالقول فقط ، بل وأن يكون ذلك مع اعتيادنا لأفعالها ومواظبتنا عليها [ ب 228 پ ] ، على مثال ما عليه الأمر في معارف الصناعة العملية . فإنها انما تمكن في النفوس مع اعتياد الانسان لأعمالها لا بالأقاويل . وما لم يكن سبيل تمكينه في النفوس باستعمال الأقاويل من المشهورات ، فليس ينبغي أن تعرض للفحص ، ولا أن يطلب له قياس أصلا : لا مثبت ولا مبطل . إذ كان سبيل تمكينها في النفوس بالمواظبة على أفعالها والمعقولات على الامتناع منها ، لا بالقول المقنع . ومنها : المشهورات التي أشخاصها محسوسة ، كقولنا : الثلج أبيض ، أو البياض والأبيض موجود . وهذه وأمثالها فلا ينبغي أن يتشكّك فيها ، ولا تعرض للاثبات والابطال ، ولا تجعل مطلوبات جدلية . من قبل أن هذه ان جهلها إنسان ، أو لم يعترف بها ؛ لم يمكن أن تبيّن له بقياس أصلا ، لكن يحتاج في تبيينها له أن يحسّها . فإن لم تكن له الحاسة التي بها تدرك هذه ، أو كانت له ، ولكن لم يستعملها في