تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
فكان الانسان انما يجعل أول مصيره إلى أخذ القياسات المتضادة أن يعرف أولا تضاد آراء الناس ، ثم يطلب قياسهم المتضاد . ومنها : الأقاويل [ ب 226 پ ] المبتدعة المشتقة التي يراها قوم من أهل النباهة والمشهورين بالحذق في العلوم . وذلك أن توجد آراء مشهورة ، ونجد قوما مشهورين عند الجميع بالحذق في العلوم يضادون تلك الآراء المشهورة ، فتكون نباهة القائلين بما يضاد المشهور . وشهرتهم بالحذق ، ممّا يوقع في النفس أنهم عسى أن يكونوا قد علموا ما لم يعلمه غيرهم ، ويصير ذلك مشكّكا لنا في تلك المشهورات . فتصير تلك المشهورات مطلوبات جدلية . مثل قول برمانيدس ان الموجود واحد ، وقول زينن انه ولا شئ من الموجودات يتحرك . وهذا الصنف أيضا ان لم يكن فيه عند الانسان فيه قياس ، لم يكن ذلك مطلوبا بصلح أن يجعل وضعا جدليا يلتمس ابطاله وحفظه . ومنها : أن يكون الذي يخرق الاجماع ويضاد المشهور انسانا من أهل العلم غير نبيه ولا مشهور بالحذق ، أو يكون انسانا من غير أهل العلم ، الا أن معه قياسا يشدّ به رأيه المشنع ، ويعاند به المشهور المجمع عليه . فان ذلك المشهور يصير مطلوبا جدليا ، لأن القياس الذي معه هاهنا يقوم مقام نباهة القيّم بالرأي هناك ، فيشكك في المشهور . وهذان من بين المطلوبات الجدلية يخصّان باسم الوضع ويسمّيان الرأي البديع . وان كان الذي يضاد المشهور انسانا ليس بنبيه ، ولم يكن معه قياس ؛ لم يلتفت إلى ذلك الخلاف ، ولم يصر ذلك الخلاف المشهور مطلوبا ، وسمّى ذلك الرأي الشاذ والتحكم والتخرص . وبين الوضع والشاذ فرق ، فان الوضع والرأي البديع هو الرأي المضاد للمشهور إذا كان رأيا لنبيه من أهل العلم مشهور [ ب 227 ر ] بالحذق ، أو رأيا لغير نبيه معه قياس يشدّه ويعاند المشهور . وبالجملة المضاد للمشهور إذا كان هو قياس
المنطقيات للفارابي — صفحة 419 | أبو نصر الفارابي