تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وكلّ شيئين كان كلّ واحد منها يشدّ رأيا حتى يصير مقبولا ، فانّهما إذا تضادا في رأى ما ، صار ذلك الرأي مشكوكا فيه ، من قبل ان الشئ الذي يشدّ الرأي إذا انفرد به ، فانّه إذا قابله نظيره في ذلك الرأي ، صار مشكوكا فيه . فلذلك إذا تضادت الفلاسفة في قضية ، أو تضاد فيها الجمهور ، أو ضاد الجمهور فيها الفلاسفة ؛ صارت مشكوكا فيها . وإذا لم يكن عندنا شئ يشكّكنا في القضية سوى تضاد القوام بها فقط ، دون القياسات التي جعلتهم مضادى الآراء فيها ؛ كانت التي تشكّكنا فيها آراء الذين صرنا نحن نحسن الظنّ بهم لأجلها . ومتى تخاطب السائل والمجيب في تلك القضيّة ، وكان أحدهما يبطلها ، والاخر [ ح 102 ر - ب 226 ر ] يثبتها ؛ لم يكن عند أحدهما حجة تناقض بها خصمه الا ذكر القيّم بذلك الرأي الذي أحسن هو الظن به ، حتى صار ينصر قوله . وإذا تخاطبا بأقاويل ، لم يكن عندهما من الأقاويل الا الأقاويل التي يوطئ بها كل واحد منهما قضايا صاحبه ويناقص صاحب خصمه . فتؤول الأقاويل إلى أن تصير خطبية لا جدلية ، فلذلك ان أراد أن يتخاطبا على طريق الجدل ، فينبغي أن يكون عند كل واحد منهما قياسات تثبت وتبطل كل واحد من الرأيين المأخوذين عن القيمين . فلذلك ليس ينبغي أن يقتصر في أمر المطلوبات الجدلية على أن يكون التشكيك فيها من جهة حسن الظن بالقوام بها ، دون أن يكون مع ذلك قياسات تثبت وتبطل تلك الآراء التي تضاد فيها الفلاسفة فيما بينهم ، أو الجمهور فيما بينهم ، أو ضاد الجمهور فيها الفلاسفة . فإنه متى لم يكن فيها قياسات ؛ صارت هذه داخلة فيما سبيله أن يفحص عنه ، لا أن تجعل أوضاعا جدلية . ولذلك لما أحصى أرسطوطاليس أصناف القضايا المشكوك فيها من جهة تضاد آراء القوام بها ، لم يقتصر عليها دون أن أردفها بذكر المسائل التي لها قياسات متضادة ، عاملا على أن مضادة الفلاسفة بعضهم بعضا ليس يكون الا بقياسات متضادة . وكذلك مضادة الجمهور بعضهم بعضا ومضادتهم الفلاسفة .