وقوله : أو في الحق والمعرفة ما هو بنفسه ، يريد به الفلسفة النظرية ، وذلك ان الحق والمعرفة هو غايتها .
وقوله : وامّا من قبل انه معين على شئ آخر من أمثال هذه ، يريد به الأشياء المنطقية .
فمن هاهنا بيّن انّه يرى أن الفيلسوف هو الذي حصلت له غاية جزأي الفلسفة .
وذلك ان الفلسفة جزءان : نظرىّ وعملىّ .
فغاية النّظرى هو الحق والعلم وفقط .
وغاية العملىّ هو ايثار شئ والهرب من آخر . وغاية العملىّ لا يحصل للانسان ببصيرة نفسه ، الا بعلم لها سابق قبل العمل أو مع العمل . وعلمها ، إذا حصل من غير العمل ؛ كان ذلك علما باطلا . فان الباطل من الأمور هو الذي يوجد ولا يقترن به غايته التي لأجلها وجد .
وكما أن صاحب العلم النظري لا يكون فيلسوفا بالنظر والفحص دون ان تحصل له الغاية التي لأجلها النظر والفحص ، وهي إقامة البراهين ، كذلك صاحب العلم العملىّ ليس يصير فيلسوفا دون ان يحصل له غايته . [ ح 101 پ ] وظاهر ان المقدمات التي حصلت يقينيّة بعلم أول فليس ينبغي ان تعرض للاثبات والابطال ولا التشكيك أصلا ، ولا يجعل مطلوبا جدليّا ، وان كل شئ مما لم يتيقّنها الانسان بعلم أول ، وكان سبيل اليقين بها ان تحسّ اشخاصها أولا امّا مرّة واحدة وامّا مرارا [ ب 225 ر ] كثيرة ، فلم تكن لذلك الانسان الحاسة التي بها يدرك اشخاص ذلك الشئ ، فيشكك فيها ، لم يجعل ذلك مطلوبا جدليّا ، وكذلك ان كان بانسان ما نقص بالفطرة في نطقه ، فلم يحصل له لأجل ذلك كثير من المبادى الاخر ، فيتشكك فيما لم يدرك منها ؛ لم يجعل ذلك مطلوبا جدليا وأيضا فانّ الشئ الذي لم يتيقّن بعلم أول مع سلامة الفطرة في الحواس والمنطق ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 416
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤١٦