وينبغي ان تعلم أن الفلاسفة والعلماء وأهل الصناعات والحذّاق منهم انّما استخرجوا آرائهم امّا بالقياس ، وامّا بالتجربة . ولكن ليست تؤخذ مقدمات جدلية من حيث هي مدركة بالقياس أو بالتجربة ، بل من جهة ما هي آراء أولئك ، فان تلك امّا بالإضافة إلى أولئك الذين هذه آرائهم ، فقد يمكن أن تكون نتائج ، وانّما هي مقدمات بالإضافة إلى صناعة الجدل ، وإلى الجدليّين ، لا بالإضافة إلى أولئك ولا إلى صنائعهم .
واما الموجودة في جميع الأمور المشاهدة أو في أكثرها ، إذا اخذت كليّة ، فإنها مقبولة . لأنك لا تجدا أحدا الا وهو يعترف بها على كليّتها ، ويثق بها ، ويعدّها صادقة لأجل مشاهدتهم منها ما شاهدوه . وما غاب عن مشاهدتهم منها يجعلونه مثل ما شاهدوه ، فيأخذونها كليّة .
واما الأشباه ، فإنها أيضا يحكم عليها بالذي يوجد في نظائرها . وذلك ان من المشهور أيضا ان كلّ متشابهين فحكمهما واحد ، الا انّه إذا قيل كلّ متشابهين فهما [ ب 222 پ ] من جهة ما هما متشابهان حكمهما واحد ، كان احرى ان لا تعاند .
واما سلب الاضداد ، فانّ المشهور ان الضّدّين لا يجتمعان في موضوع واحد ، وانّه إذا وجد أحدهما فيه ، ارتفع عنه الاخر .
واما الضدّ في الضدّ فان من المشهور أيضا ان الشئ الذي حكم به على امر ما ، فان حكم ضده ضد حكمه . وانّه كما أن المتماثلين ، فهما من جهة ما تماثلا حكمهما واحد ، وكذلك المتضادان هما من جهة ما تضادا ، حكمهما متضاد . وينبغي ان يشد ويقوى أمثال هذه . [ ح 100 ب ] بالاستقراء .
وآراء العقلاء والفلاسفة وآراء أهل الصناعات وآراء حذاقهم إذا استعملت ، ينبغي ان يستعمل منسوبة إلى أصحابها .
مثل ما يقال إن الاعياء الذي يجده الانسان في يديه من غير تعب متقدّم ، يؤذن بمرض ، على ما قاله ابقراط الطبيب .
المنطقيات للفارابي — صفحة 412
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤١٢