تصحيح كل شئ وابطال كل شئ .
ولما كانت الطرق التي يستعملونها أكثرها جدليّة وخطبيّة ، وهي [ ح 99 ر ] يمكن ان تصحّ بها أشياء ، ويبطل بها تلك الأشياء بأعيانها ؛ اشبهت صناعتهم صناعة الجدل وصناعة الخطابة . ولذلك صارت طرقهم تلك يوهمهم انها يصلح للرياضة .
ولأنهم يقصدون بها الحقّ والتعليم والتعلّم ، ولا يشعرون بطرق آخر غيرها ، ويعتقدون انّه لا طريق إلى الحق ولا إلى التعليم والتعليم غير طرقهم ، ثم انّهم يجدونها يمكن ، ان يبطل بها الشئ الذي أثبتت ، ويجدونها ليست احرى ان يصحّح آراء مخالفيهم ؛ فتشكّك كثير منهم في طرقهم .
فإذا لم يشعروا بغيرها ، وكانت عندهم وحدها هي الطرق إلى الحق ، ويجدونها تتزيف أحيانا ؛ فتحدث لكثير منهم ان يتحيروا ، ويعرض [ ب 219 پ ] لكثير منهم ان يروا رأى افروطاغورس .
وكلما أمعن الواحد منهم في النظر والتأمل ، واستعمل تلك الطرق ، وكان أجود قريحة وأذكى بالفطرة وتمكن في نفسه اعتياد تلك الطرق ، ولم يشعر بغيرها ؛ ازداد حيرة وازداد قربا من رأى افروطاغورس .
فهذه أسباب حدوث الصنائع المركبة . فلذلك يظنّ بأمثال هذه الصنائع انّها جدليّة وعلميّة ، إذ كانت مركبة ، وكان الغرض منها غرض الصناعة العلمية ، وطرقها بعضها خطبيّة وبعضها جدلية ، فيجمع أصحابها الطرق الخطبيّة والجدلية جميعا ، فيسمونها كلها الطرق الجدليّة . لان الغرض منها علم الحق ، وطرقهم عند أنفسهم انها جدليّة يرون الطرق الجدليّة هي الطرق إلى الحق . فلذلك رأى الرواقيون ان الجدل هو الفلسفة ، وانه لا فرق بين صناعة الجدل وبين صناعة الفلسفة إذ كانت فلسفة الرواقيين مركبة على ما لخّصناه قبيل هذا الموضع .
المقدمة تقال بالعموم على كل قضية وعلى كل قول جازم بالجملة كانت جزء قياس أو معدّة لان يوجد جزء قياس أو نتيجة أو مطلوبا استعملها الانسان فيما بينه
و
المنطقيات للفارابي — صفحة 407
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٠٧