تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
من الجدليّة ، ومن جدلية اجتهد في تقريبها من العلمية ، ويرومون ان يرفدوها بما يوثقها ، ومن علميّة يسيرة لاحت لهم كما يلوح الشئ اللامع من بعيد . فاغراضهم هي بأعيانها اغراض الفيلسوف ، وطرقهم إلى تلك الاغراض طرقا غير برهانية ، فيحصل لهم من ذلك صناعة قياسية مركبة من أشياء بعضها جدلية ، وبعضها خطبيّة ، وبعضها علميّة . كما عرض من ذلك لآل فوثاغورس في القديم . ولانّهم يحتاجون في كثير منها إلى مقدمات لا يسلّمها لهم كثير ممّن يخاطبونه ، ويضطرون إلى تصحيح تلك بمقدمات اخر بينة وربما كانت تلك الاخر أيضا غير بيّنة أو غير مسلّمة ، ويحتاجون إلى تصحيحها أيضا ، فيضطرون لذلك ان يصححوا تلك أيضا إلى أن ينتهوا إلى المشهورات والمحسوسات ، ويكون قصدهم من المشهورات والمحسوسات إلى ما يجدونه معينا لهم بوجه في تصحيح آرائهم التي هي هي مطلوباتهم القصوى ، وإلى ما يرونه مصححا للمقدمات التي صحت مطلوباتهم ، يطرحون ما سوى ذلك مما لا ينفعهم ، وما كان منها يوجب اضداد رأيهم أو كان يبطل كثيرا من المقدمات التي تعينهم في تصحيح آرائهم تلك اطرحوها ، وزيّفوها وعاندوها . حتى أن كثيرا منهم ربما اطرح المحسوس ، متى كان مضادا [ ب 219 ر ] لآرائه التي اخذها من أئمته الأولين ، وحمل الخطابية على المحسوس . ومن هذه الآراء آراء آل فوثاغورس التي يذكرها أرسطوطاليس في كتابه في السماء والعالم وفي الآثار العلوية ، ويذكر انّهم يجعلون ما اخذوا عن أوائلهم الآراء أوثق مما يحسونه ، بل يجعلونه عيارا على الحس ، ويجهدون في تصحيحها بكل حيلة يجدون إليها السبيل . والطرق المنطقية التي يستعملونها في نظرهم وفحصهم ، وفي تعليمهم وسائر مخاطباتهم ، لمّا كانت كليّة يمكن ان تستعمل في أشياء آخر ، غير تلك المواد التي جرت عادتهم ان يستعملوها فيها ؛ ظنّوا بأنفسهم القدرة على الفحص عن كل شئ و