قياسية مركبة . وذلك ان الصنائع القياسية البسيطة التي تستعمل مخاطبات قياسيّة بسيطة هي تلك الخمس التي ذكرناها مرارا كثيرة . وقد يمكن ان توجد صنائع قياسيّة مركبة من أشياء بعضها جدليّة ، وبعضها خطيبة ، وبعضها من سائر الصنائع القياسية البسيطة وتكون مخاطباتها مركّبة .
ويمكن حدوث هذه المركبة من جهات :
منها ان يجهل الناظر في الأشياء العلميّة مثل الطبيعيّات أو الالهيّات وغير ذلك من الصنائع العلميّة فصول ما بين هذين الخمس القياسيّة ، وبين أصناف المقائيس .
فيروم استخراج ما يريد استخراجه باي شئ اتفق مما يسنح في قريحته من الأقاويل ، وأحيانا تقع له وتتفق أقاويل خطبية ، وأحيانا جدليّة ، وأحيانا تتفق له أقاويل تقرب من البراهين ، وأحيانا سوفسطائيّة . فأي شئ اتفق له ان يسنح في نفسه عند فحصه ، وعند تعليمه من الطرق ، استعمله ، فيصير طريقه [ ب 217 پ ] التي ينظر بها في المواد الفلسفية طريقا مركبا من طرق عدة صنايع ، كما عرض للرواقيّين ولكثير من قدماء الطبيعيين .
ومنها ان العادة قد جرت ان يظهر الانسان الأجمل من الأمور والافعال ، ويضمر الأنفع أو الالذ . فالاجمل في المخاطبات القياسيّة التعليم والتعلّم ، والتماس استفادة الحق وإفادة الحق . والأنفع أو الألذّ أن يظن به البراعة في العلم ، وفي المخاطبة القياسية ، والاقتدار والقوة عليها ، وان يظنّ به انّه الأفضل في الحكمة وفي معرفة الحقّ ، امّا بالقياس إلى البعض ، وامّا بالقياس إلى الجميع . وانّما يظهر فضل قوة الانسان في ذلك بغلبة غيره ممّن يخاطبه ، سائلا كان أو مجيبا . فإذا كان الانسان يرى أن يظهر في مخاطبة تعلم ما عند غيره من الحقّ وتعليم غيره ما عنده هو من الحقّ ، ويستبطن في ضميره غلبة من يخاطبه ، واظهار فضل اقتداره ؛ فيجب ان يكون مخاطبته مركّبة من أشياء بعضها علمىّ وبعضها جدلىّ ، أو خطبىّ وبعضها سوفسطائىّ . والصناعة الّتي غرضها هذا الغرض يلزم ضرورة أن تكون مركبة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 404
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٠٤