تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
ومنها ان كثيرا من الأشياء التي سبيلها في العلوم اليقينيّة ان يتيقّن بها بعد معرفة أشياء كثيرة على ترتيب وفي زمان طويل يمكن ان يبين في الجدل وفي الخطابة بأشياء قليلة وفي زمان يسير الا انها لا تعطى اليقين . وكثير من الأشياء الكاذبة يمكن ان تصح بأشياء جدليّة وخطبيّة وسوفسطائيّة [ ب 218 ر ] خفية ، فتصير مقنعة ، وفي صورة ما هي صادقة . فإذا كان انسان ما فيلسوفا مقتدرا على التعليم بجميع أصناف الأقاويل ، فقصد تعليم الجمهور آراء صادقة يقينية براهينها غريبة عندهم ، فرأى أن تعلمهم تلك الآراء بطرق خطبية أو جدليّة ، وأذاع فيهم على طريق التدبير المدني آراء ضرورية النفع لهم [ ح 98 پ ] في اعمالهم ، وأقنعهم فيها بطرق خطبيّة وجدلية ؛ مكّن كل ذلك في نفوسهم ، مثل ما فعل ذلك فوثاغورس على ما يحكى ، وأفلاطون في كثير من كتبه . فتمكّنت تلك الآراء في نفوس المصغين إليها ، وانقادت أذهانهم لها ، ووثقوا بها ، واعتقدوا انها حقّ ، ثمّ التمس قوم من الجمهور أو من ليست رتبة ذلك الانسان الذي أذاع فيهم هذه الآراء ان يبين تلك الآراء أو يصححها على غيره بأقاويل قياسيّة قليلة قريبة المتناول وفي مدة يسيرة ، اضطربهم مقاصده هذه في كثير من تلك الأمور إلى أن يكون أقاويلهم خطبيّة أو جدليّة . فإذا تداولها أهل الفحص والنظر بينهم ، وتناظروا فيها ، ليصححها بعضهم على بعض ، وأرادوا ان يصحّحوها أيضا على مخالفيهم ، واحتاجوا إلى نصرتها ؛ اضطروا في تلك الأقاويل الخطبيّة والجدليّة ان يرفدوها ، ويقرّبوها من الطرق التي هي أوثق ومن العلمية التي تفيد اليقين . فيجتهدون في تقوية الخطبيّة وتقوية الجدليّة منها وتوثيقها ومعونتها بما يصيّرها اوكد اقناعا ، ويرومون بها تصحيح الحقّ واليقين ، فيرومون الحق بغير الأشياء التي تعطيهم [ ب 218 پ ] اليقين ، ولا يشعرون ، ويرومون تعليم من استرشد إلى رأيهم ومعاندة مخالفيهم . على انّهم غالطون عن الحقّ بأقاويل مخلوطة من خطبيّة اجتهد في تقريبها