تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
وان كان ليس عنده ما يبطل به الوضع ؛ فمن اين عرف ان الوضع كاذب ، حتى ناصب المجيب فيه . ومع ذلك فانّ الحجة إذا بطلت ، لم يلزم من ذلك ضرورة ابطال الوضع . والاقناع في ذلك هو في بادي الرأي ، وإذا تعقّب ، بطل . وذلك ان الحجة بصحّتها يصحّ الوضع ، وبوجودها يوجد الوضع . وليس إذا وجد شئ بوجود شئ آخر ، ارتفع بارتفاع ذلك الاخر . وذلك بيّن ممّا تقدّم قبل مرارا كثيرة . ولذلك قد تكون الحجج كاذبة ، والشئ في نفسه صحيح ، أو يكون مطلوبا موقوف الامر . وهل في بطلان تلك الحجة أكثر من أن يبقى ذلك الشئ بلا حجة ، فيعود إلى ما كان عليه قبل ان يصادف قياسه . وقد كان في ذلك الوقت موقوفا منتظر الامر لا يدرى هل هو صادق أو كاذب . وما كان ينتظر به علم ما يستبين من حاله ، فليس بكاذب لا محالة ، لان الباطل هو [ ب 215 پ ] ما كان معلوم الكذب . وان كان انّما استدعى الحجة لينقل ابدا على طريق التحليل بالعكس إلى الحجة ، وإلى حجة الحجة ، عسى ان يعثر في طريقه على شئ يبطل به على المجيب ، أو ليوهم بكثرة الانتقال وبالمطاولة انه يتكلّم في الوضع بما يبطله ، أو يطول لينقضى الزمان ، وينصرم المجلس ؛ فهو اما مغالط واما هازل . ولينساق لهم القول ابدا إلى الاتساع في المخاطبة ، ولّدوا انحاء من السؤال ، يستدعون بها بعد تسلم الوضع المجيب الحجج التي تثبت ويحرّكونه إليها ، ويستقرونه نحوها من حيث يخفى ذلك ، ويوهمون بها انّهم خاطبوه بما يبطل الوضع . من ذلك ان المجيب إذا سلم الوضع ؛ جعلوا بحذاء الوضع ضده ، وسالوه الفرق بينه وبين الوضع . مثل ان المجيب ان كان وضع ان كل لذة خير ، وضعوا بحذاء ذلك : ولا لذة واحدة خير ، وسألوه الفرق بين وضعهم ، وبين وضعه ، يوهمون بذلك ان حاله مما وضعه في انه لا حجة له فيه وانه وضع ساذج ، كحاله من الوضع الذي أباه ولم يضعه ، ويتعمّدون ضد الوضع دون النقيض ، يوهمون به انّه لا يمتنع ان يكون وضع المجيب كاذبا ، مثل كذب ما وضعوه .