تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
وهذا الطريق بيّن انه طريق سوفسطائى ومستعمل في الخطابة ومباين لطريق الجدل . وأيضا فانّ الذي يطلب بعد تسلّمه الوضع بالحجة التي تثبته ، ان كان حين سال عن الوضع سال عنه ، وهو يدرى انه كذب وباطل ؛ فقد عرف القياس الذي به كان تبيّن له ان الوضع باطل ، وان ذلك القياس ينتج نقيض الوضع . فبذلك القياس ينبغي ان يخاطب المجيب ، ويبطل عليه الوضع . فما حاجته اذن إلى أن يسئله عن الحجة التي تثبت الوضع وما يقصد بمطالبته المجيب بالحجة التي تثبت الوضع ، وان كان يدرى ان الوضع حق . فقد عرف السائل القياس الذي تبين به صدقه . فإنما يقصد بمطالبته المجيب بالحجة ، ليأخذ اعترافه بما يصحح الوضع ، أو ينبّهه عليه . فهو إذا معلّم لا مجادل ولا خصم . وان كان لا يدرى هل الوضع باطل أم لا ، فإن كان يظنّ مع ذلك ان المجيب قد سبقه إلى [ ب 97 ر ] مصادفة ما يصحح به ذلك الوضع ، فهو إذا يقصد تعلّم ذلك الشئ من المجيب . وان كان عنده ان المجيب مساو له في ذلك الشيء ، وانّه أيضا لا يدرى كما لا يدرى السائل ؛ فالسائل إذا فاحص ، وملتمس بسئواله ان يجعل المجيب مشاركا له في الفحص ليصيرا [ ب 215 ر ] جميعا فاحصين ومتعاونين على وجود قياسه ، إذ كان وجود ما تطلبه انسان واحد . وان كان قصد بسئواله إزالة غلط غالط في امر ؛ فينبغي ان يكون قد عرف قبل ذلك القياس الذي يبطل به الوضع ، والقياس الذي غلط المجيب ، حتى ظنّ ان الوضع صحيح ؛ فسبيله اذن ان يبتدئ بابطال الوضع ، ثم يرجع إلى القياس الذي ظنّ المجيب انّه يصحّح الوضع ، فيبطله . فعند هذا كما قلنا يسوغ للسائل ان يطالب المجيب بالحجة التي تثبت عنده الوضع . غير أنه يكون بفعله هذا معلّما لا مجادلا .
المنطقيات للفارابي — صفحة 400 | أبو نصر الفارابي