تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
الوضع ان يطالب المجيب بالحجة التي يثبت الوضع . فإذا تسلّمها ؛ خلّى السائل عن الوضع ، واقبل على الحجة ، وتشاغل بابطالها . وذلك انّهم لم يكن تميّز لهم فرق ما بين الطرق الخطبيّة والطريق الجدلية ، فكانوا يستعملون كثيرا من الخطبيّة على انّها جدلية . وذلك ان من المقنع ان حجة الوضع إذا بطلت ، بطل الوضع ، من قبل ان صحّة الوضع بصحّة الحجة . وأيضا فانّهم كانوا يستعملون الطريق عند ضيق الأقاويل التي يبطل الوضع ، وتعذرها عليهم عند المخاطبة ، وتقصير أذهانهم عن القياس ، وعوزهم الحجج التي يبطلون بها الوضع ، وعسر مصادفتها عندهم . فيستدعون من المجيب الحجج التي تثبت الوضع لينتقلوا إلى القياس ، فيقيموه باسره مقام الوضع ، فيتّسع الامر عليهم ، ويستغزرون الحجج ، ويكون لهم إليها طرق كثيرة ، ويصير مرامه أسهل من مرام الوضع ، لان الوضع انما يبطل من جهة واحدة فقط ، وتحفظ أيضا من تلك الجهة فقط . والقياس يبطل من ثلاث جهات : من جهة كبرى مقدمتيه ، ومن جهة صغراها ، ومن جهة تشكله . فأيها بطل ، بطل القياس . فلذلك سبيله ان يحفظ من الثلث الجهات بأسرها . وما كان سبيله ان يحفظ تصحيحه من جهات ثلث ، ويبطل ببطلان اى جهة ما كانت منها ، فهو أعسر حفظا ، وأسهل ابطالا . وربما كان يعسر عليهم أيضا ابطال القياس ، ولا نتيجة لهم فيه . فيستدعون ما يثبت مقدمات القياس لينتقلوا إلى أشياء أكثر . لان القياس الأول هو عن مقدمتين ، والذي تثبت به المقدمتان هو قياسان [ ب 214 پ ] كل واحد منهما من مقدمتين ، فتحصل اربع مقدمات واقترانات . فيكون الأشياء المنظور فيها ، التي إليها انتقل ، أشياء كثيرة . فايّها أبطل ، ظنّ ان للوضع الأول قد بطل به . فينتقلون ابدا إلى أشياء أكثر توقعا ان يتّفق لهم ان يعثروا على شئ يسوغ لهم به ابطال الوضع ، وابطال شئ آخر مما جرى من المجيب في خلال كلامه ، ويتحرّون بذلك قطع المجيب .