يبين ان الاله في السماء ، جعل أحد ما بين به ان الشرائع كلها توجب ان ترفع الأيدي والابصار والوجوه عند الصلوات والدعاء إلى السماء . هذه كلّها انما ينبغي ان ان يستعمل في الصناعة بعد استعمال البراهين والمقدمات اليقينية .
فهذه أجناس المخاطبات التي تكون في الصنائع العملية . وسبيل ما كان من هذه علمنا أن يستعمل فيه المقدمات اليقينية ، ولا يستعمل فيه المشهورات الا لتكثير الحجج ، بعد أن تكون النتائج قد قرّرت بالمقدمات اليقينية .
وامّا إذا استعملت فيها المشهورات أو المقنعات مكان اليقينيّة جهلا من [ ح 96 ر ] الذين ينظرون في العلم بالفروق بينها ؛ أوقعت الناظرين في ظنون متضادة ، واختلفت بهم الآراء . فكلما امعنوا في الصناعة ، ازداد تباينهم في الآراء ، ولا يزالون على ذلك ، ولا يستقرّ بهم على امر يجمعون عليه الا بالبحث ، ولا يصير أحد منهم في رايه إلى يقين ، فيكونون بما يفعلونه من ذلك سالكين إلى غرضهم ، وهو علم اليقين في الطرق التي تفضى [ ب 213 ر ] بهم إلى ضده ، مستعملين في الشئ غير آلاته .
وهذا كان السبب في اختلاف آراء القدماء في القديم ، إلى أن تميزت هذه الطرق بعضها عن بعض عندما كملت صناعة المنطق ، واستقرّت الصناعة العلميّة ، وارتفع الاختلاف فيها .
والسؤال الذي يستدعى به البرهان هو ضروري في العلوم . فان السؤال عن المطلوب العلمي يجمع استدعاء امرين : الاخبار عن الجزء الصادق في جزئي المطلوب ، وعن برهانه جميعا . فان قوله هل : كل مثلث زواياه مساوية لقائمتين ، ليس يلتمس فيه الاخبار عن الجزء الصادق ، وان يسكت المجيب بعد ذلك ، إلى أن يرد عليه سؤال آخر عن البرهان . لكن انما يلتمس بالسئوال علمه ، والعلم هو الذي لا يحصل الا ببرهان .
فجواب هذا ان نذكر الجزء الصادق موصولا ببرهانه ، والا لم يتبين باقتصار المجيب على ذكر الجزء الصادق منهما انه صادق . فلذلك إذا سكت المجيب بعد اخباره عن الجزء الصادق ، وجب ان يطالبه السائل بالبرهان . والا ، كان سؤاله الأول باطلا .
المنطقيات للفارابي — صفحة 397
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٩٧