وكذلك الفلاح فيما يبذره ويغرسه .
وكذلك قائد الجيش في محاربته .
وليست الحال في هذه كالحال في النجارة والحياكة والسكافة والخياطة . فان على النجاران يوفى صناعة الباب ، وعلى الحائك ان يوفى نساجة الثوب ، وعلى الإسكاف ان يعطى الخفّ مفروغا منه . وليس انما عليه ان يفعل افعالا محمودة ، ثم يقف ، ولا يفعل ، وينتظر موافاة العرض كما ذلك في الطب ، وفي الملاحة وفي قود الجيوش ، وبالجملة الصنائع التي يحتاج مستعملوها إلى الرويّة في شئ شئ ممّا يفعلونه حتى يبلغوا به الغرض .
فان كل صناعة كانت تحتاج في بلوغ غرضها إلى الرويّة ، فان فيها من النقص بحسب الحاجة إلى زيادة الرويّة فيها . وكلما كانت احرى أن تكون مكتفية بنفسها ، كانت الحاجة إلى [ ب 206 ر ] الروية فيها أقل مما كان هكذا من الصنائع . فان أرسطوطاليس يسمّيها القوى ، إذ كانت غاياتها ممكنة ان تتبع افعالها ، وان لا تتبع .
وانما تتبعها اغراضها ، متى ساعدت الطبيعة الصناعة أو غيرها من الأسباب . [ ح 93 ر ] حتّى انّه لا يمكن ان تحصى افعالها التي تفعل على ترتيب وعلى اتصال ، إلى أن ينتهى الغرض فيها ، كما يمكن ذلك في الحياكة ونحوها .
فان الحياكة يمكن ان تحصى افعالها المتتالية التي تجرى على ترتيب واتصال إلى أن تشتبك اللحمة بالسدى . وكذلك النجارة في الباب ، والسكافة في الخفّ ، والخياطة في القميص .
فعلى هذا المثال ينبغي ان يكون الكمال في صناعة الجدل والسوفسطائيّة والخطابة والشعر .
واما العلوم البرهانيّة فيشبه ان يكون الحال فيها كالحال في النجارة والكتابة وسائر الصنائع المكتفية بنفسها .
والسؤال عن الشئ :
المنطقيات للفارابي — صفحة 386
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٨٦