تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
فالجدل هو ارتياض ما للانسان لمشاركته لغيره ، يصير به الانسان معدّا للعلوم اليقينيّة . وهو أيضا توطئة للموجودات النظرية ، لان نعلم علم اليقين ، وتخدم العلوم اليقينية في ان يعطى مباديها على الطرق التي لخصت ، وتخدمها في ان يعطيها الأقاويل التي بها يسهل ان يعلم الجمهور من الآراء المستنبطة [ ح 92 ر ] من العلوم اليقينية ما هو نافع لهم ، وينقلون عمالا نراهم يصيبون القول فيه ، وعما يضرهم [ ب 204 ر ] من الآراء ، وتخدمها أيضا في ان تصونها عن السوفسطائيّين . وإذا الجدل ارتياض ما ، فصناعة الجدل صناعة رياضية مثل سائر الصنائع التي هي رياضات وتوطئات لأشياء آخر ، مثل المصارعة والمحاضرة والمثاقفة وسائر الصنائع الرياضيّة التي يقايس بها بين قوى المرتاضين ، ويقع فيه التنافس وطلب الغلبة ، ويزيد بعض على بعض ، وتصير الغلبة ومحبتها وما يلحق الانسان منها من اللذة سببا لتجويد الصناعة والتزيّد من الارتياض ، واعداد الأشياء التي بها تكون الغلبة والاستكثار منها وتصير اللذّة داعية إليها ، وباعثة عليها ، على مثال ما تكون اللذة عن افعال ما باعثة على معاودة الأشياء التي عنها تحصل اللذة . وبين ان نجعل الغلبة واللذة غاية قصوى ، وبين ان نجعل سببا وداعية إلى تجريد الافعال التي عنها تكون تلك الغلبة واللذة فرق عظيم . والرياضة التي تكون باشتراك ، لما كان شانها ان لا تحصل الا بالمواظبة على الافعال والأشياء التي بها يكون الغلبة ، وكانت الغلبة وتشوقها هي التي بها تجود الافعال الرياضيّة ؛ صارت الغلبة كلما حصلت ، سببا لان تعاد أمثال الافعال التي بها كانت الغلبة . ومتى لم تحصل في وقت ما ، كان الطمع فيها سببا لمعاودة تلك الأفعال وتجويدها ، والتزيد منها . فعلى هذا المثال ينبغي ان يفهم امر الغلبة في صناعة الجدل ، لا ان تجعل الغلبة فيها هي الغاية القصوى ، ولا ان تجعل لغرض آخر سوى ان يجود بها ويتشوّقها الافعال [ ب 204 پ ] الجدليّة النافعة في العلوم .