ومن جودة استعمال أمثال هذه مع الخصم ، ان يفعل ما يخفى مواضع العناد فيها ، ويجتهد في ذلك ، ويستعمل الأشياء التي قالها أرسطوطاليس في كتابه في الجدل ، فلا يمتنع ان يخفى ذلك على الخصم ، فيغفله ، ويسهو عنه ، ويتساهل ، فيصل مخاطبة منه إلى ما يريد سائلا كان أو مجيب .
فلما كان كذلك ، أمكن في كل واحد من الخصمين المتساويين أو المتقاربين في الصناعة ان يغلب أحيانا ، وان يتساويا أحيانا . وانّما يتساويان إذا صارا بالحال التي ذكرها أرسطوطاليس في المقالة الثالثة من كتاب طوبيقى . ولذلك لم يكن كمال الانسان في صناعة الجدل ان يغلب أحدا ، ولا نقصه فيها ان يغلب أحيانا . لكن الكمال فيها ان - لا يترك شيئا أصلا ، أو أقل ذلك مما سبيله ان يأتي به في بلوغ غرضه في وضع وضع من الأوضاع الجدلية ، الا آتى به سائلا كان أو مجيبا . فإن كان سائلا بان يجتهد في ان يأتي بجميع ما شانه ان يبطل به الوضع ، وإذا كان مجيبا بان يجتهد في ان لا يسلّم ما شانه ان يبطل به لوضع ، وبان يعاند ما سبيله ان يعاند ممّا يأتي به السائل ، وان يفعل فعلا يعلم أنه لا يؤتى في الوضع من جهته ولأجل ضعف قوّته .
فإذا فعل ذلك ، فقد وفى الصناعة حقها . فان غلب بعد استفراغ مجهوده ، [ ب 205 پ ] واتيانه بجميع ما يرضى به الصناعة ؛ لم يكن ذلك لنقصه فيها ، ولم يكن عليه أكثر من ذلك . وليس عليه ان يغلب لا محالة دائما .
وذلك على مثال ما عليه الامر في سائر الصناعات الرياضيّة وفي الخطابة ، وفي قود الجيوش ، وفي صناعة تدبير الحرب ، وفي الطّب ، والفلاحة .
فان الطبيب ليس عليه ان يبرئ لا محالة ، بل انما عليه ان يأتي في كل مرض بما توجب عليه الصناعة ان يفعله ، ويجتهد في ذلك . وليس عليه أكثر منه . فان تبع ذلك برء ، والا لم يكن ذلك لنقصه في الطب .
وكذلك الملاح ، انما عليه ان يفعل في كل وقت ما شانه ان يكون به الخلاص من الغرق وليس عليه أكثر منه .
المنطقيات للفارابي — صفحة 385
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٨٥