ولما كان ذلك كذلك ، صار كمال الانسان ، فيها مثل كماله في سائر الصنائع الرياضيّة التي بها يقصد الغلبة ، وان يعلم الانسان جميع الأشياء التي بها تكون غلبة الخصم ، ويكون له مع ذلك قوة على جودة استعمالها مع الخصم سائلا كان أو مجيبا ، ويكون الخصمان متساويين في الصناعة والقوة ، أو متقاربين جدا .
فإنهما ان كانا متفاضلين ظاهري التفاضل ، صارت مخاطبة كل واحد منهما مخاطبة ردية ضعيفة . فان الأفضل يتحرّى ان يفهم الأنقص فيحط قوله إلى رتبة الأنقص ، فتصير مخاطبة مضطربة رديّة دون ما في قوته . والأنقص يتحرى ان يتكلّف ما ليس في وسعه فيأتي من ذلك ما لا يعرفه ، فتصير مخاطبة مضطربة رديّة . فيزولان عن الغرض الذي يقصدانه ، وهو الارتياض واعداد الذهن للعلوم .
فإذا كانا متساويين في الصناعة أو متقاربين ، لم يكن موازنة قولهما والمقايسة بينهما وطلب كل واحد من الخصمين غلبة الاخر فيما تساويا فيه ، ولكن فيما يمكن ان يقع بينهما فيه تفاضل بعد ذلك . وذلك اما جودة القريحة التي بالفطرة والذكاء الطبيعي .
وامّا ما يجوز ان يعرض لاحد الخصمين في وقت المخاطبة من سهو ، وان لا يشعر المجيب بموضع العناد ، ولا موضع اللزوم ، فيغفل ، ويسلّم كل ما ينتفع به السائل ، من غير أن يفطن بذلك ، فيتم عليه تبكيت ، وينقطع ، أو يشعر فلا يسلم ولا يتأتى للسائل ما يريده من التبكيت فلا ينقطع .
واما ما يجوز ان يعرض في القول من زيادة أو نقصان أو سوء تحفّظ فيه ومساهلة ، امّا لشغل قلب عارض في الوقت ، وامّا لافراط ثقة الانسان [ ب 205 ر ] بنفسه [ ح 92 پ ] على مثال ما كان عليه ثراسوماخس مع سقراط ، فإنه لافراط ثقته بنفسه ، كان يسلم ما كان يطالب به على أنه سينهض بدفع كل ما يلزمه ، فان خصمه من الغفلة بحيث لا يشعر بموضع اللزوم ، فكان ابدا ينقطع في يدي سقراط .
وأيضا فان المشهورات التي سبيل السائل ان يتسلّمها من المجيب ، والتي سبيل المجيب ان يعاندها ، ما يمكن ان يعاند عنادا صحيحا .
المنطقيات للفارابي — صفحة 384
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٨٤