ومنها انّا لما كنا مدنيين بالطبع ، وكان يلزمنا لأجل ذلك ان يكون موالفين للجمهور ، محبّين لهم ، مؤثرين لفعل ما نفعهم ، وعاد عليهم بصلاح أحوالهم ، كما يلزمهم ذاك فينا ، وان نشركهم في الخير الذي فوض إلينا القيام به ، كما يلزمهم ان يشركونا في الخيرات التي فوّض إليهم القيام بها ، بان ننصرهم الحق في الآراء التي لهم في مثلهم ؛ فإذا شاركونا في الحق ، أمكن ان يشركوا الفلاسفة في سعادة الفلسفة بمقدار طاقتهم ، وان ننقلهم عما نراهم لا يصيبون فيه من الأقاويل والآراء والسنن .
وليس يمكن ذلك معهم بالبراهين ، اليقينيّة ، لبعد متناولها عنهم ، وغرابتها عندهم ، وصعوبتها عليهم . بل انما يمكن ذلك بالمعارف المشتركة لنا ولهم . وذلك ان نخاطبهم بالأقاويل المشهورة فيهم ، المعروفة عندهم ، المقبولة فيما بينهم .
فيحدث من هذا الصنف من التعليم الفلسفة الرابعة التي تعرف بالفلسفة الخارجة والبرانية .
وقد ذكر أرسطوطاليس في كثير [ 203 ب ] من كتبه ان له كتبا عملها في الفلسفة الخارجة التي يلتمس تعليمها الجمهور بالأشياء المشهورة .
وانما تحدث لنا القوة على هذا الفن من الفلسفة ، بان يكون المشهورات عتيدة عندنا ، محصلة لدينا ، وانما نصل إلى ذلك بصناعة الجدل .
وبهذا يشارك الفيلسوف الجمهور ، ويصير مصونا ، فلا يستثقل ولا يستنكر امره ، إذ كان في عادة الجمهور استثقال ما عزب عنهم واستنكار ما بعد مأخذة عليهم .
( 5 ) ومنها انه ليس يمكن أحدا من أهل الصنائع العلمية ان يدافع بالقوة التي يستفيدها من صناعة الأقاويل السوفسطائية التي تبكت ويعاندها في صناعته ، ولا ان يحل التشكيكات السوفسطائية التي يقصد بها تحير صاحب تلك الصناعة ، وقطعه وتزييف صناعة الجدل وتهوين شأنها ؛ بل انما يقدر على تلقى الأقاويل السوفسطائية صاحب الجدل فقط . فاذن صناعة الجدل بها يكون أيضا صيانة الفلسفة عن السوفسطائيين ومدافعتهم عنها .
فهذه منافع صناعة الجدل في الفلسفة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 382
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٨٢