تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
ومنها انّا لما كنا مدنيين بالطبع ، وكان يلزمنا لأجل ذلك ان يكون موالفين للجمهور ، محبّين لهم ، مؤثرين لفعل ما نفعهم ، وعاد عليهم بصلاح أحوالهم ، كما يلزمهم ذاك فينا ، وان نشركهم في الخير الذي فوض إلينا القيام به ، كما يلزمهم ان يشركونا في الخيرات التي فوّض إليهم القيام بها ، بان ننصرهم الحق في الآراء التي لهم في مثلهم ؛ فإذا شاركونا في الحق ، أمكن ان يشركوا الفلاسفة في سعادة الفلسفة بمقدار طاقتهم ، وان ننقلهم عما نراهم لا يصيبون فيه من الأقاويل والآراء والسنن . وليس يمكن ذلك معهم بالبراهين ، اليقينيّة ، لبعد متناولها عنهم ، وغرابتها عندهم ، وصعوبتها عليهم . بل انما يمكن ذلك بالمعارف المشتركة لنا ولهم . وذلك ان نخاطبهم بالأقاويل المشهورة فيهم ، المعروفة عندهم ، المقبولة فيما بينهم . فيحدث من هذا الصنف من التعليم الفلسفة الرابعة التي تعرف بالفلسفة الخارجة والبرانية . وقد ذكر أرسطوطاليس في كثير [ 203 ب ] من كتبه ان له كتبا عملها في الفلسفة الخارجة التي يلتمس تعليمها الجمهور بالأشياء المشهورة . وانما تحدث لنا القوة على هذا الفن من الفلسفة ، بان يكون المشهورات عتيدة عندنا ، محصلة لدينا ، وانما نصل إلى ذلك بصناعة الجدل . وبهذا يشارك الفيلسوف الجمهور ، ويصير مصونا ، فلا يستثقل ولا يستنكر امره ، إذ كان في عادة الجمهور استثقال ما عزب عنهم واستنكار ما بعد مأخذة عليهم . ( 5 ) ومنها انه ليس يمكن أحدا من أهل الصنائع العلمية ان يدافع بالقوة التي يستفيدها من صناعة الأقاويل السوفسطائية التي تبكت ويعاندها في صناعته ، ولا ان يحل التشكيكات السوفسطائية التي يقصد بها تحير صاحب تلك الصناعة ، وقطعه وتزييف صناعة الجدل وتهوين شأنها ؛ بل انما يقدر على تلقى الأقاويل السوفسطائية صاحب الجدل فقط . فاذن صناعة الجدل بها يكون أيضا صيانة الفلسفة عن السوفسطائيين ومدافعتهم عنها . فهذه منافع صناعة الجدل في الفلسفة .