تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
فلذلك قلما نجد أرسطوطاليس يتكلّم في شئ من كتبه في هذا العلوم الا وقد قدّم قبل الشئ الذي يلتمس البرهان عليه تشكيكات جدليّة ، ثم اردف ذلك بالبرهان . ولذلك رتّب أفلاطون الجدل عند تأديبه ملوك المدينة الفاضلة والفلاسفة بعد التعاليم وقبل العلوم الثلاثة الباقية . ( 4 ) ومنها ان مبادى العلوم اليقينيّة لما كانت كليّة قد عقلت منذ أول الأمر وكان كثير منها أو جلّها انما تكون معطّلة [ ب 202 ر ] غير مستعملة منذ أول الأمر ، لتشاغل الانسان في أول امره بما سبيله ان يؤدب به في حداثته ، إلى أن يأتي عليه الثالث من الأسابيع . وسائر الصنائع التي سبيلها ان لا تستعمل فيها تلك المعقولات ، إذ ليست هي مبادلها ، ولا نافعة فيها ، إذ ليس كل معقول مبدأ لكل صناعة . وكثير منها قد يستعمله الانسان في كل ما يعانيه منها : لا على أن يستعملها كما هي كليّة ، لكن على أن يستعمل قواها وجزئياتها ، ويستغنى عن أن يستعملها كلّيّة في غاية ما يمكن في العموم . ويجتزى بقواها ، إذا كانت هي الكافية في تلك الصنائع ، والأمور التي يعانيها فتبقى أيضا كليات أمثال هذه المقدمات الأول معطّلة ، فيحتاج في مثل هذه المبادى . إلى أن يفهم الوارد على العموم معانيها الكليّة ، وفلا يمتنع الا يعترف بكليّاتها ، إذ كان لا يتصورها كليّة ، فيحتاج في تفهيمها ايّاه إلى أن يستقرأ له جزئياتها التي جرت عادات سائر أهل الصنائع ان يستعملوها ، حتى تتصوّر في نفسه كليّات القوى التي جرت عادته ان يستعملها . واستقراء النظائر خاص بالجدل ، أو يؤتى بحدودها أو رسومها المشهورة ، حتى إذا فهم معانيها صارت عنده في اليقين بها مثل يقينه بجزئيّاتها . وأيضا فان كثيرا من الأشياء انما يبتدأ في معرفتها من المعرفة الأولى التي تسنح للانسان في بادي الرأي عند الجميع . فإذا تأملها وجد ما يعاند تلك المعرفة ، فيكون [ ب 202 پ ] المعاند الذي وجده هو الذي ينبّهه على معرفة شئ كان قد أغفله في ذلك الامر ، ثمّ يتأمّل ذلك ، فيجد أيضا معاندا آخر للمعرفة الزائدة التي افادها ايّاه المعاند