الطبيعي ، من العدد والهندسة ، صار كل واحد منها فيه أو في مباديه من العسر والاختلاف على حسب قربه من العلم الطبيعي .
والعدد لما كان في غاية البعد عن العلم الطبيعي ، لم يكن في شئ منه عسر أصلا ، فلذلك لم يقع فيه اختلاف أصلا ، والهندسة ففي بعض مباديها عسر يسير على قدر انحطاطها عن رتبة العدد في البعد عن المادة .
ثم علم النجوم أعسر كثيرا من الهندسة ، والاختلاف فيه أكثر ؛ ثم علم المناظر ، وبعد ذلك علم الموسيقى ، وعلم الحيل ، وخاصّة في مبادى هذه . والسبب في جميع ذلك هو ما قلنا .
فإذا هذه العلوم الثّلاثة لا يمكن ان يوقف على الحق فيها ، أو يتقدّم تشكيك جدلىّ قبل النظر فيها بالطريق العلمىّ . ومتى استعمل فيها من أول الأمر علم دون التشكيك الجدلىّ ، اما ان لا يدرك منه شئ ، أو ان أدرك منه شئ ، أدرك ناقصا جدا . و [ ب 201 پ ] ذلك ان جلّ ما هذه العلوم اما أمور مقترنة بمواد ، أو مقترنة باعراض ، أو يوصّل إلى معرفتها بأمور حالها هذه الحال ، فلذلك صارت هذه يوجد لها المتضادات معا .
ولما كان الجدل هو الذي يعطى في كل واحد وجود المتضادين ، وهو الذي به يقدر على وجود قياسين متضادين ، وكان البرهان والصناعة البرهانية لا يمكن ان تعطينا القياسات المتضادة ، ولا تبيّن لنا وجود امرين متضادين في شئ واحد ؛ لم يمكن الفحص عن هذه الأشياء بالصناعة البرهانية .
ومع ذلك فلان الصناعة البرهانية انما تحل الشك بان تعطى الجهات التي من اجلها لحق الامر الواحد محمولات متضادة ، متى يزول التضاد عما ظنّ به التضاد . [ ح 91 ر ] ولا يمكن ان تعطى الصناعة البرهانية الجهات التي بها يزول التضادّ عن الأقاويل ، قبل ان يحصل عندنا التضاد فيها ، لزم ان يكون صناعة الجدل التي تعطى المتضادين تتقدم ضرورة الصناعة البرهانية التي تعطى جهات تزيل الشك والحيرة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 379
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٧٩