وكذلك نتامّل المطلوبات التي أعطتها صناعة الجدل ، ويمتحن بشرائط المطلوبات البرهانية ، وقوانينها . فما انطبق عليه منها تلك الشرائط ، صارت أيضا مطلوبات في العلوم .
وعلى هذا المثال نمتحن القياسات التي أعطتها صناعة الجدل فما انطبق عليه من المقائيس شرائط البرهان ، جعلت براهين .
وفي الجملة كل شئ أعطاه الجدل واعدّه إذا كان ينطبق عليه القوانين وو الشرائط العلمية ، صار ذلك الشئ مشتركا في الصناعتين جميعا . وما كان منها لا ينطبق عليه شئ من شرايط الأمور العلمية ، بقي خاصا بصناعة الجدل ، واستعمل خاصا الارتياض فقط . فهذه هي المنفعة الثانية .
( 3 ) ومنها ان العلوم اليقينيّة ضربان : ضرب موضوعاته هي التي يرشد الانسان الناظر فيه ، والفاحص عنه إلى الصواب بسهولتها على الذهن ، وسرعة تخلصها في النفس عن الاعراض التي تقارنها . ولأنها ميسّره في ذواتها لان يتخيّلها الانسان ويتصوّرها مجرّده عن المادّة ، من غير أن يحوج الانسان فيها إلى قوّة من ذهنه كثيرة ، وذلك علوم التعاليم .
وضرب موضوعاته تمنع جانب الصواب فيه ، لعسر تخلّصها في الذهن عن المادة ، بل انّها لا تخلّص ، وانّها تفهم ابدا مع موادها وفي موادها . فان ذلك لا يؤمن إذا كانت في المواد اعراض كثيرة ان يقترن بها عند فهمنا لها تلك الاعراض ، فتغلط الناظرين عن الحق في تلك الأشياء ، وتتخيل الشئ للناظرين فيه على أحوال متقابلة ، فتوقعهم في ظنون متضادة ، فيتنازعون [ ب 200 پ ] فيها الآراء وتحيرهم . لانّها إذا لم تتخلص المعاني في النفس مجردة عن المادة ، وعن الاعراض التي يقارنها ، لم تخلّص في المقدّمات الأول من أول الأمر كلّيّاتها .
لأن الأمور المعقولة ، متى لم تتميّز بعضها عن بعض في النفس تميزا تامّا ، حتّى يخلّص كل واحد منها في الذهن بطبيعته التي تخصّه مجرّدة لم يخلص
المنطقيات للفارابي — صفحة 377
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٧٧