أيضا في أوائل أقاويله في حلّ ما يلتمس منه في العلوم الطبيعيّة والالهيّة والمدنيّة الأقاويل الجدليّة ، والفحص الجدليّ عن ذلك الشئ ، حتى إذا استوفاهما ، صار بعد ذلك إلى احضار البراهين في ذلك الشئ . ولذلك قال افلاطن في كتاب برمنيدس فيما حكاه عن برمنيدس انه أوصى سقراط الحدث الذي كان يناظره ، فقال له : روض نفسك ، فإنك بعد حدث بالشيء الذي هو عند [ ب 199 پ ] العامّة هذيان وفضول وكثرة كلام ما دمت حدثا ، والا فاتك الحق . وأراد به : رض نفسك بالجدل والأقاويل الجدليّة . فإنه لما أوصاه [ ح 90 ر ] بهذا ، وحثه عليه ؛ شرع بعد ذلك معه في الأقاويل الجدليّة التي هي على طريق التشكيك وباحثه ، وفحص عن الواحد ، وشرع في اثباته ، ثم في ابطاله على جهة ما تتداوله صناعة الجدل . فهذه هي احدى منافع الجدل في الفلسفة .
( 2 ) ومنها ان يوطئ للعلوم اليقينيّة جميع موضوعاتها ويعدها لها بان يعدلها جميع المقدمات المشهورة . وهي التي في جملتها توجد المقدمات الصادقة الكليّة الأولى ، وهي مبادى العلوم اليقينيّة ويعد لها أيضا جميع المطلوبات .
وهي القضايا التي هي خارجة عن المشهورات . وهي التي لاثباتها وابطالها تعمل القياسات الجدليّة ، ويعدلها جميع المقائيس الجدلية التي على تلك المطلوبات ، فتجعل لها هذه كلها عقيدة بالفعل ، وتعطى الانسان القدرة على صنعتها واحضارها في اى وقت شاء .
فإذا حصلت هذه كلّها ، فانّما يبقى بعد ذلك ان يمتحن ويسبر بالقوانين والشرائط البرهانيّة والعلميّة التي سبيلها ان يذكر ويحصى في كتاب البرهان . فما انطبق عليه من المشهورات شرائط المعقولات الكليّة اليقينيّة الأول ؛ جعلت أوائل العلوم اليقينيّة . وما انطبق عليه من المشهورات شرائط المطلوبات في العلوم . صارت تلك المشهورات التي كانت مبادى الجدل مطلوبات في العلوم [ ب 200 ر ] اليقينيّة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 376
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٧٦