تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
ظاهر النظر دون الاستقصاء والتقصير ، ويصيره بحال من لا يستمال برأي ، ولا يستهوى بقول أصلا ، ولا يستعمل حسن الظنّ ولا الهوى ولا العصبيّة لا في نفسه ولا في غيره ، ولا يسكن لراى لنفسه أو رأى لغيره ، ويقنع به . بل يصير الآراء عنده من حيث هي آراء في صورة ما سبيله ان يستراب به ، عسى ان يكون كذبا أو غلطا . ويحمله ذلك على أن يمتحن الآراء المقبولة التي كان لقيها أولا وأدب بها وعوّدها . حتى انّه ربما حمل كثيرا من الناس في كثير من الأوقات على الاسترابة بالمحسوسات وامتحانها كما عرض لبرمنيدس ولزينن إلى أن قالا في الحركة انّها غير موجودة ، وان الكثرة غير موجودة ، وان الموجود واحد ، وراو ان يتبعوا ما توجبه المشهورات التي كانت هي المعقولات عندهم ، وان يستراب بالمحسوس ، إذ كانت المعقولات اخصّ بالانسان من المحسوسات ، ومن دون ان يوطّأ ذهن الانسان هذه التوطئة ، وتكون فيه هذه القوة ، ولا يمكن ان يصير إلى الحق والآراء والفلسفيّة . وذلك ان الذي ينشأ عليه الأذهان ، ويعرفه أولا هي الآراء المشهورة [ ب 199 ر ] التي في بادي الرأي مؤثرة عند الجميع ، والآراء المقبولة والآراء المحسوسة . فالمقبولات هي التي ليس فيها للانسان رأى ببصيرة نفسه ، وانما يتّكل فيما قبله من ذلك على بصيرة غيره ممّن يحسن الظّنّ به وليس يمكن ان يصير له رأى علمي ، أو يكون له بذلك الرأي بصيرة نفسه . وانما يصير له به بصيرة في نفسه بان يحصل عنده في ذلك قياس مؤلف عن مقدمات قد علمت منذ أول الأمر ، وصار للانسان بها بصيرة نفسه لا عن قياس ولا دليل أصلا . وتلك أولا هي مقدمات اخذت ببادى الرأي الشائع . وبادي الرأي هو ما لم يتعقّب ، ولذلك لا يؤمن ان يكون فيها كذب من غير أن يشعر به الانسان . فلذلك يضطر أيضا إلى امتحانها وتعقّبها ، وليس يمكن تعقّبها وامتحانها ، الا بعنادها . وليس يمكن ذلك الا بالقدرة على الوقوف على مواضع العناد . وليس يمكن ذلك الا بصناعة الجدل . فان صناعة الجدل هي الّتي تكسب الانسان هذه القوة . فإذا لا يمكن الانسان بان يصير إلى الحق والفلسفة الا بالقوة الجدليّة . ولذلك نجد أرسطاطاليس يقدم