يكونوا امّا متضادتى الآراء ، واما منتقلين من رأى إلى رأى ، واما متحيرين . وبيّن ان هذه لا يمكن ان يقع فيما استعملت فيه المقدمات الصادقة بالكل من جهة ما هي صادقة .
لانّه لا يمكن ان يصدق المتضادّان معا ، بل إذا صدق أحدهما بالكل ، كذب الاخر بالكل .
ويشبه ان لا يكون في [ ب 194 ر ] طاقتنا التي لنا بالفطرة [ ح 87 پ ] من أول الأمر ان يحصل لنا المقدمات الصادقة الأول كلية ممن غير أن يخلط بها كذب لا يشعر به ، امّا في جميعها ، أو في كثير منها ، وان لا يكون لنا في أول الأمر شئ نسبر به المقدمات الأول ، سوى ان يكون مشهورة فقط ، وان لا يكون أيضا في طاقة كل انسان ان يشعر وحده من تلقاء نفسه بالمشهورات المتقابلة معا . بل انما يكون قد حصل للواحد من الناس من كل مشهورين متقابلين أحدهما ، وحصل للاخر المقابل الاخر ، وان لا يكون أيضا في طاقة كل واحد ان يشعر بكل كذب في كل مقدمة مشهورة كلّيّة كاذبة بالجزء خفيّة الكذب .
ويشبه ان يكون مبادى النظر في الأمور ، والفحص عن الحق والصدق فيها ، هي المقدمات المشهورة ، إذ كانت الشهرة الواردة على النفس هي التي تربط أحد جزئي المقدمة بالاخر منهما ، اعني المحمول بالموضوع ، ويقع التصديق بها . ولأجل شهرتها يأخذ الانسان ما هو منهما مرتبط في النفس بايجاب وعلى كميّة ما ، انّه أيضا موجب خارج النفس وعلى تلك الكميّة بعينها . وما هو في النفس مرتبط بسلب وعلى كمّيّة ما انّه أيضا سالب خارج النفس على تلك الكميّة بعينها .
فإن كان ما في النفس من هذه آراء كليّة حكمت عليها أيضا انّها خارج النفس كليّة ، فيكون الانسان قد استعملها ، وكثير منها كاذبة بالجزء ، ولا يشعر بكذبها . وكثير منها تكون مقابلاتها مشهورة أيضا من حيث هي كلّيّة ، فيكون لذلك يأخذها [ ب 194 پ ] يقينيّة ، وهي ظنون ، وصادقة بالكل ، وانما هي صادقة بالجزء .
وليس في قوة كل واحد لا ان يتغير بالجزء الكاذب في الكليات التي عنده ، ولا بكلى المتقابلين من كل مشهورين متقابلين . فإذا ليست تفي قوة كل واحد ان يعاند
المنطقيات للفارابي — صفحة 368
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٦٨