والمجيب إذا سبق أحدهما إلى ابطال ما كان صحيحا عند الاخر حميدين ، وكانت الفائدة لكليهما ، والظفر لهما جميعا . وان كان ذلك على جهة التنافس في تصحيح الآراء ، والتغالب عليها ، والتسابق إليها ؛ كان الظفر لواحد منها فقط ، وكان استقصاء كل واحد فيما ينصر به رأى نفسه ويثبته ويزيف به رأى غيره ويعانده أكثر وأشد ؛ وكان احرى ان يتميّز الصدق عن الكذب واحرى ان يصادف الأشياء النظرية كلّها ، حتى يؤتى عليها بأسرها .
ويحدث حينئذ الصنائع الفكرية الجهادية التي يقصد بالمخاطبة فيها ان يظهر فضل قوة الانسان على ابطال الشئ واثباته . وذلك اما لمحبة الغلبة فقط ، وللكرامة التي يتبعها ، أو لخير آخر من الخيرات الانسية . فإذا احدث ذلك ، فلا يمتنع ان تصير الأقاويل الجهادية جدليّة وسوفسطائيّة .
والمخاطبة الجهادية الجدلية هي المخاطبة التي يلتمس بها الغلبة باستعمال المقدمات المشهورة التي هي بالحقيقة مشهورة .
والجهادية السوفسطائية هي التي يلتمس بها الغلبة باستعمال المقدمات التي هي في ظاهر الظن مشهورة ، من غير أن تكون في الحقيقة مشهورة ، وبالأشياء التي تلبس وتموّه ، [ ح 88 پ ] حتى توهم في ما ليس بمشهور انه مشهور ، وفيما هو مشهور انه ليس بمشهور ، فتحدث الأقاويل السوفسطائيه : وهي ثلاثة أجناس : منها الأقاويل التي اشكالها قياسية ومقدماتها مشهورة في ظاهر الظن من غير أن تكون في [ ب 196 پ ] الحقيقة مشهورة ومنها الأقاويل التي اشكالها غير قياسية في الحقيقة ، ويظن بها في الظاهر أنها قياسية ، ومقدماتها مشهورة في الحقيقة .
ومنها الأقاويل التي اشكالها في ظاهر الظن قياسيّة ، ومقدّماتها في ظاهر الظنّ ، مشهورة ، من غير أن يكون كذلك في الحقيقة . فالجنس الأول من هذه الثّلاثة تسمى قياسات ، لصحّة اشكالها . والباقيان يسمّيان مراء وقولا مرائيا ، ولا يسمّيان قياسا .
وبالجملة كلما كانت اشكالها فاسدة ، فلا يسمّى قياسات ، وان كانت مقدماتها صحيحة .
المنطقيات للفارابي — صفحة 371
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٧١