منافسة ومحاماة وعصبيّة . واما لطلب الفائدة ولتخليص الصدق عن الكذب ، وليكمل في كل واحد منهم العلم ، وليزول النقص الذي يشعر به في اعتقاداته ، فيتفاحصون حينئذ ، ويبلغ كل واحد منهم أقصى طاقته بينه وبين نفسه في تعقب ما قد استنبطه ، ثم يقايس ما يراه هو في الشئ إلى ما يراه غيره في ذلك الشئ بعينه ، ويستعمل قوة غيره ويستعين بها ، ويكون تامّله لقياس من ضاده فيه مثل تامّله قياسا لو خطر بباله وجب ضد ما يراه في الشئ .
ويكون القياسات المتقابلة التي يأخذها عن جماعة مختلفي الآراء بمنزلة القياسات المتقابلة [ ب 195 پ ] التي تكون عنده ، فيتعاون جماعة كثيرة على تامّل تلك ، ويترافدون على تلخيص الصادق من كل مقدمة ، ومن كلّ نتيجة . وذلك انما يكون بمعاندة بعض لبعض ومناقضة بعض لبعض ، فيحتاج كل واحد مع كل واحد إذا تلاقوا ان يكون أحدهما سائلا ، والاخر مجيبا ، ليبلغ كل واحد منهما في ذلك الشئ أقصى طاقته ، ويستفرغا مجهوديهما في احضار ما يبطل به الرأي الذي استعملاه وضعا ، وما يثبت به وان لم يتلاقوا فيما يثبتونه من ذلك اثبتوه في الكتب . فلا يزال كل واحد مع كل واحد بهذه الحال في كل ما يختلف فيه آرائهم يتعاندون ويتناقضون ، امّا بالمشافهة ، واما باثباتها في الكتب .
ويكون تلك أحوال الغابرين في الآراء المحفوظة المكتوبة في الكتب من آراء من سلف . وذلك ان يكون الآتون من بعد يناقضون من قبلهم ، ولأنهم يرومون العلم تكون طرقهم المستعملة في السؤال والجواب طرقا مختلطة من طرق جدليّة وطرق علمية ، وتستعمل غير متميّزة بعضها عن بعض . وكلما كان التعاند والتناقض أكثر ، وتداولوه في زمان بعد زمان ، وامتدّ الزمان بذلك ، وطال ودأبوا عليه ؛ كان أقرب إلى تخلّص الصادق من الكاذب ، في كل مقدمة كلية اختلط كذبها بصدقها ، وكان احرى ان يؤتى على جميع المطلوبات والقياسات على كل مطلوب ، وكان احرى ان يقفوا على الطرق العلمية .
فإذا كان هذا التداول لا للعصبيّة والمحاماة عن الآراء ؛ [ ب 196 ر ] كان السائل
و
المنطقيات للفارابي — صفحة 370
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٧٠